وحبوته بالسعادة.. معادلة الأذكياء في بلوغ حسن العاقبة

مرتضى معاش..
تحدثنا في المقالات السابقة عن السعادة، وما يرتبط بها، والنتائج التي يصل إليها الإنسان عندما يختار طريقها ويسير في اتجاهها، وقد انطلقنا من قول الإمام الصادق “عليه السلام” في زيارة الأربعين وهو يصف الإمام الحسين “عليه السلام”: «أكرمته بالشهادة وحبوته بالسعادة»، لنفهم معنى السعادة في النهج الحسيني، وكيف أصبح الإمام الحسين “عليه السلام” ذاتًا تجسدت فيها السعادة بمعناها الحقيقي؛ فإذا أراد الإنسان أن يحيا سعيدًا فإن طريقه إلى ذلك يكون بالسير في درب الإمام الحسين “عليه السلام”، والتعلم من منهجه في كيفية النظر إلى الحياة واختيار الموقف وبناء الذات وحسن التعامل مع الدنيا.
وقد رأينا خلال المقالات السابقة، أن السير في طريق الإمام الحسين “عليه السلام” يقود الإنسان إلى السعادة الحقيقية بما هي راحة واطمئنان نفسي، وإيمان وتقوى، وشعور بالحياة الحقيقية البعيدة عن الظلم والباطل والحرام؛ لأن الإمام الحسين “عليه السلام” أراد أن يستنقذ الإنسان من التعاسة، وأن ينقله إلى حياة حلال طيبة سعيدة، ملؤها الإيمان بالله سبحانه وتعالى والسير في طريقه من خلال نهج أهل البيت “عليهم السلام”.
معادلة الأذكياء في السعادة
الإنسان الذكي هو الذي يعرف إلى أين يتجه، وما النتيجة التي يريد أن يصل إليها، وكيف يريد أن تكون عاقبته وخاتمة حياته، لذلك يكون الذكاء الحقيقي في معرفة السعادة التي تستحق أن يتحرك الإنسان نحوها، لأن قيمة الاختيارات لا تظهر في اللذة الآنية أو المكسب العابر وحدهما، وإنما تظهر بصورة أوضح في العواقب التي تنتهي إليها حياة الإنسان، وفي النتيجة التي يصل إليها بعد سلسلة طويلة من الخيارات والقرارات والمواقف التي اتخذها طوال عمره.
قد يعتقد الإنسان، أن السعادة كامنة في المال، وأن زيادة المال تعني بصورة تلقائية زيادة السعادة، فيمضي عمره في الجمع والتحصيل ثم يصل إلى نهاية حياته ليجد أنه عاش في خواء واضطراب، وأن الأموال التي جمعها لم تمنحه السعادة التي كان ينتظرها؛ بل إن بعض الناس كلما ازداد المال عندهم ازداد طلبهم له، لأنهم يبحثون فيه عن سعادة لا يستطيع المال بذاته أن يعطيها، فيدخلون في عملية طلب مستمرة لا تصل بهم إلى الشبع النفسي والراحة الداخلية التي كانوا يريدونها.
من هنا يعرف العاقل كيف يستفيد من حياته، وكيف يستثمر عمره في الطريق الذي يؤدي به إلى العاقبة الحسنة، ولذلك يقول الإمام علي “عليه السلام”: «أسعد الناس العاقل المؤمن»، فالعقل لا يكتمل إلا بالإيمان، لأن الإيمان يربط الإنسان بعناصر الحياة الحقيقية، ويجعله قادرًا على الانسجام معها ومع النظام الذي وضعه الله سبحانه وتعالى، وعندما يتعقل الإنسان طريق الإيمان ويتحرك فيه تتحقق لديه حالة من التوازن والانسجام والراحة، ويصبح أكثر قدرة على فهم ما يريد من حياته وإلى أين يتجه بها.
وعن الإمام علي “عليه السلام”: «إن أسعد الناس في الدنيا من عدل عما يعرف ضره، وإن أشقاهم من اتبع هواه»، وهذه قاعدة مهمة في فهم السعادة؛ فالإنسان السعيد هو الذي يعرف ما يضره فيعدل عنه، ويدرك ما ينفعه فيسير إليه، ويوجّه اختياراته نحو ما يصلح ذاته وأسرته وحياته وينفع الآخرين، مستضيئًا بالعقل ومنهج أهل البيت “عليهم السلام”. أما التعيس فهو من يجعل الرغبات والشهوات محورًا للحياة، حيث أن الشهوة حالة عابرة مرتبطة بتلبية حاجة معينة، فإذا أصبحت هدفًا بذاتها دخل الإنسان في طريق لا يصل فيه إلى الشبع، وانتهت اللذة ليبدأ بعدها البحث عن لذة أخرى، في دوامة بعيدة عن الراحة الحقيقية والأمان الداخلي.
حسن العاقبة منتهى الأذكياء
وهنا تظهر أهمية حسن العاقبة في معادلة الذكاء والسعادة؛ فالإنسان الذكي ينظر إلى حياته بما هي مسار كامل، ويبصر الطريق منذ بدايته حتى يستطيع أن يصل إلى العاقبة الحسنة ويختم حياته بأحسن ختام، لذلك يقول الإمام علي “عليه السلام”: «إن حقيقة السعادة أن يختم للمرء عمله بالسعادة، وإن حقيقة الشقاء أن يختم للمرء عمله بالشقاء» فالسعادة بهذا المعنى لا تختزل في لحظة عابرة، وإنما تظهر في الطريقة التي عاش بها الإنسان حياته والنتيجة التي انتهى إليها عمله.
ويمكن تقريب هذه الفكرة بما نراه في التجارة والاستثمار؛ فبعض الناس يدخل التجارة أو سوق الأسهم ويخسر، لأنه لا يملك الذكاء التجاري الذي يمكنه من فهم حركة السوق، بينما يعرف الآخر متى يشتري ومتى يبيع، ومتى ترتفع الأسهم ومتى تنخفض، فيحسن إدارة تجارته ويصل إلى الربح. وكذلك الإنسان العاقل المؤمن يعرف كيف يربح تجارته في الدنيا والآخرة، ويحسن عاقبته في الدنيا من أجل الآخرة، فيعيش سعيدًا في الدنيا ويصل إلى السعادة في الآخرة، وهذه هي قمة الذكاء في استثمار العمر والحياة.
ويقول الإمام علي “عليه السلام” في وصف المتقين: “وَاعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ أَنَّ الْمُتَّقِينَ ذَهَبُوا بِعَاجِلِ الدُّنْيَا وَآجِلِ الْآخِرَةِ، فَشَارَكُوا أَهْلَ الدُّنْيَا فِي دُنْيَاهُمْ، وَلَمْ يُشَارِكُوا أَهْلَ الدُّنْيَا فِي آخِرَتِهِمْ، سَكَنُوا الدُّنْيَا بِأَفْضَلِ مَا سُكِنَتْ، وَأَكَلُوهَا بِأَفْضَلِ مَا أُكِلَتْ، فَحَظُوا مِنَ الدُّنْيَا بِمَا حَظِيَ بِهِ الْمُتْرَفُونَ، وَأَخَذُوا مِنْهَا مَا أَخَذَهُ الْجَبَابِرَةُ الْمُتَكَبِّرُونَ ثُمَّ انْقَلَبُوا عَنْهَا بِالزَّادِ الْمُبَلِّغِ وَالْمَتْجَرِ الرَّابِحِ”.
فالمتقون أحسنوا التصرف في الحياة، وربحوا في تجارتهم الدنيا والآخرة، وشاركوا أهل الدنيا في دنياهم من دون أن يسمحوا للدنيا بأن تستولي على آخرتهم؛ فكانت التقوى صورة من صور الذكاء التجاري الذي يجعل الإنسان يعيش الدنيا براحة واطمئنان، ويحفظ في الوقت نفسه عاقبته وآخرته.
والمتقي هو العاقل الذي يجتنب المحرمات والمعاصي والذنوب التي تؤدي إلى التعاسة وسواد القلب وتحجره وتصلبه، فيبقى قلبه لينًا ومرنًا وقادرًا على التعامل مع المشكلات والأزمات، ويستطيع أن يستغفر ويرجع ويتوب إلى الله سبحانه وتعالى ويدفع بالتي هي أحسن؛ وبهذا يعيش راحة واطمئنانًا قد لا يعيشهما الذين جعلوا الدنيا أكبر همهم، لأن هؤلاء ربما خسروا الدنيا والآخرة، بينما أحسن المتقي استثمار الدنيا وربح معها الآخرة.
وفي مقابل هذه الصورة تقدم لنا زيارة الأربعين صورة الإنسان الذي أخطأ في معادلة الحياة، فنقرأ: «وَقَدْ تَوازَرَ عَلَيْهِ مَنْ غَرَّتْهُ الدُّنْيا، وَباعَ حَظَّهُ بِالأَرْذَلِ الأَدْنى، وَشَرى آخِرَتَهُ بِالثَّمَنِ الأَوْكَسِ»، فقد غرته الدنيا، وباع حظه بالأرذل الأدنى، واشترى آخرته بالثمن الأوكس؛ وهذا يعني أنه لم يحسن اغتنام فرص الحياة ولا الاستثمار في عمره وعاقبته، فاختار الأدنى البخس وترك الأعلى الثمين، بينما يعرف الإنسان الذكي قيمة ما بين يديه ويحسن توجيهه نحو العاقبة الحسنة.
وتظهر صورة عملية لهذه المعادلة عند زوار الإمام الحسين “عليه السلام” الذين يأتون في الأجواء الحارة ويتحملون الصعوبات ويمشون خطوات طويلة، ومع ذلك يشعرون بالسعادة؛ لأنهم يشعرون بأنهم يربحون لأنفسهم ويبنون ذواتهم ويستثمرون أعمارهم، فالجهد الذي يبذلونه في الطريق يصبح جزءًا من عملية تنمية الذات والاستثمار في العمر بالسير نحو الإمام الحسين “عليه السلام”. وهكذا يكون الذكي هو من يتخذ من الإمام الحسين “عليه السلام” طريقًا للسعادة.



