الملايين تودع كربلاء بعد أخذ جرعات العزّ والكرامة

محمد علي جواد تقي..
في كل عام ترتسم مشاعر الحزن على وجوه المشاركين في زيارة الأربعين، سواءٌ الزائرون منهم أو أصحاب المواكب الخدمية على طول الطريق من أقصى جنوب العراق، وفي داخل مدينة كربلاء المقدسة، فأعمال جمع أواني الطبخ، وتفكيك الخيام، وجمع مختلف وسائل الضيافة والخدمة، تكون مصحوبة كل عام بمشاعر الحزن على سرعة انتهاء الزيارة، كما لو يتمنون الاستمرار لأيام أخرى، حتى أهالي مدينة الامام الحسين، عليه السلام، هم أيضاً؛ يغمرهم شعور مشابه، فمن تدفق الملايين في الشوارع، والاستضافة في البيوت، الى هدوء موحش بعد خلوها من الزائرين وعودتهم الى ديارهم.
ربما يكون السبب –من جملة اسباب- يعود الى أن الرجل والمرأة والشاب وحتى الطفل الصغير، وجميع فئات وشرائح المجتمع يجدون في مدينة الحسين ما لا يجدونه في مدنهم؛ سواءً داخل او خارج العراق حيث الازمات السياسية والاقتصادية وما تسببه من ضنك العيش وبؤس الحياة، وبالمجمل يشعر الجميع أنه في بلاده غير ذي أهمية ضمن عجلة الاقتصاد والبرامج السياسية الرامية الى تحقيق مصالح شخصية وفئوية، بينما في هذه المدينة يغمره شعور بالعزّ والكرامة، وأن الترحيب يحدوه من كل حدب وصوب، وفي مستوى أعلى من الإدراك يستشعر البعض أنه يلبي نداء الامام الحسين يوم عاشوراء لمقارعة الظلم والطغيان حتى الموت بنداء “لبيك يا حسين”، كما يواسي أسرته المسبية، وتحديداً الامام زين العابدين والعقيلة زينب، بحمل راية الإصلاح والتغيير بكل شجاعة على مر الزمن والاجيال.
حلول جذرية للفساد والمعاناة
أينما يَمَّمْتَ شطرك في هذا العالم الفسيح تسمع بالأفكار والبرامج الإصلاحية في عالم السياسة والاقتصاد لتقديم الأفضل فيما يتعلق بمكافحة الفساد، والفقر، والبطالة وسوء التغذية، وهي محاولات تُحمل على النوايا الحسنة ظاهرياً، بيد أن واقع التطور الصاروخي في مجال التكنولوجيا وسائر العلوم المُجيَّرة لخدمة مصالح فئة معينة في العالم، يكشف عن حقيقة تلكم النوايا، وأن الانسان هو الغائب الوحيد في أي مشروع اقتصادي او سياسي يشهده العالم، والسبب هو طغيان المادة على الأخلاق، وهو الحديث القديم- الجديد الذي لم يعد يزعج اصحاب الرساميل والقرار السياسي في العواصم الكبرى، لأن الجديد اليوم هو التجاوز على إنسانية الانسان من خلال تفضيل الآلة عليه، وإن طالب بوجود له في الحياة، فهو دافع للضرائب في بلد، أو حطب لنار الحروب في بلد آخر.
في كربلاء الامام الحسين ثمة منهج متكامل لحياة يسودها العدل والمساواة والكرامة الانسانية، وهذه ليست مجرد شعارات، بقدر ما هي أفكار لها مصاديق على الأرض، وهذا لا يعني أن الزيارة الأربعينية في مدينة كربلاء المقدسة قادرة على حل المشاكل السياسية والاقتصادية القائمة اليوم بعصا سحرية، فالأمر ليس بهذه السهولة بسبب تراكم العلل وتشابك المصالح، مما يستوجب البداية من البنية التحتية، وهو ما يميز الفكر الحسيني عن غيره، ففي هذه الزيارة نشهد غياب التمييز في كل شيء، وأيضاً؛ غياب التطاول والتكبّر، وغياب الاستئثار، وربما تكون هذه من نفحات الوعي التي نقرأها في زيارة الأربعين بتدوين الإمام الصادق، عليه السلام، يحدد فيها طريق جدّه الحسين الى الله –تعالى بأنه “أَعْذَرَ في الدعاء ومَنحَ النُصح وبذل مُهجته فيكَ ليستنقذَ عِبادكَ مِن الجَهَالة وحَيرة الضَلالة“.
وعندما نتحدث عن الاصطدام الاول بين شخص الامام الحسين، عليه السلام، وشخص يزيد بن معاوية، عند هذه المبادئ، فنحن نشهد الامتداد الحقيقي لهذا الصِّدام خلال الفترات التأريخية الماضية، وما تزال المسيرة مستمرة مع الزمن، ولا أدلّ على ما نقول من تحسس نظام حزب البعث في العراق منذ استيلائه على السلطة من الفكر الحسيني عندما اكتشف أنه يشكل أرضية الانطلاق للشعائر الحسينية التي فوجئ بها بقيادة الخطباء والأدباء والعلماء الذين عملوا على تعبئة الجماهير للتمسك بهذه الشعائر والفعاليات، ومنها زيارة الأربعين سيراً على الاقدام، وإلا فإن السلطات البعثية في بداية السبعينيات كانت تتعامل مع هذه الشعائر على أنها فلكلور شعبي نابع من تقاليد اجتماعية وتراثية، ولكن ما أن تناهى الى سمعه القصائد الداعية على رفض الظلم والطغيان والانحراف، والدعوة الى حرية الرأي وبناء الشخصية وفق قيم ومبادئ سامية، حتى انتفض مذعوراً يلتمس مختلف أنواع الاسلحة للدفاع عن وجوده في السلطة.
شمس الحسين لا يحجبها غربال!
سمعتُ من إخوة مؤمنين وحريصين على أصالة النهضة الحسينية خشيتهم من احتمال “استغلال اسم الامام الحسين لمصالح سياسية او شخصية، وأن يتعرض الحق للتشويه”، وهي وجهة نظر محترمة، وتحليل واستنتاج يعكس جهداً ذهنياً من صاحبه، مع التأكيد على أن هذه المحاولات البائسة لن تخرج القضية الحسينية عن طبيعتها المحورية ليتصور البعض قدرته على توظيفها لما يريد، فهي كالشمس الساطعة في عنان السماء تشرق كل يوم على يوم جديد، وليس للانسان إلا أن يستفيد منها حسب قدرته الاستيعابية، بلى؛ يمكن حجب الحقيقة عن الناس، وتضييع الحق حتى لا يأخذ مكانه في مسيرة الحياة، كما حصل في التأريخ، ويحصل في الحاضر ايضاً، بيد أن المستحيل في الإلغاء، لأن أهل الباطل يستحيل عليهم التشبّه بالفضيلة والصدق والعفّة والأمانة والتقوى، فهي خصال لا تقبل إلا وعاءها، و”كلّ إناء بالذي فيه ينضحُ“.
قرأت في كتاب للمفكر الايراني “أسد الله بادامجيان”، يتحدث عن المسيرة التأريخية للتديّن في إيران، ينقل هذه الراوية، أن أحد ملوك الدولة الصفوية أراد تكثيف زيارات الناس لقصره في إصفهان بعد تبرمه من اهتمامهم وشوقهم للسفر الى مدينة كربلاء المقدسة لزيارة مرقد الامام الحسين، وأخيه أبي الفضل العباس، عليهما السلام، رغم صعوبة وسائل النقل آنذاك، فعمد الى قلع إحدى أبواب الروضة العباسية ونصبها على باب قصره الكائن في ساحة “نقش جهان” المعروف في إصفهان، ربما لغرض الصيانة او ما أشبه!، والقصر ماثلٌ للعيان حتى اليوم باسم: “عالي قابو” بطوابقه المتعددة وشرفته الجميلة، ثم دعا الناس للتبرك بباب أبي الفضل العباس الموجود في قصره!
اندثرت الدولة الصفوية المتبنية للمذهب الشيعي، كما اندثرت الدولة العثمانية في الاتجاه المعاكس للتشيع، ولم يبقَ في القلب من حبٍ لهذا، ولا في النفس من خوف من ذاك، سوى الولاء والحب والايمان بأهداف النهضة الحسينية، وبما نادى به الامام الحسين يوم عاشوراء، وما أطلقته العقيلة زينب من صرخات في قصور الطغاة، كل هذا بقي متجذراً في قلوب ونفوس المؤمنين جيلاً بعد جيل، لما فيه من نقاء وأصالة كونه الامتداد الطبيعي لرسالات السماء الى البشر.



