النبي (صلى الله عليه وآله) من حجة الوداع إلى موعد الرحيل

حجّة الوادع وبيعة غدير خمّ..
عندما حان موعد الحجّ من العام العاشر للهجرة، أعلن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه سيحجّ بنفسه في الناس هذا الموسم، فاجتمعوا إليه من كلّ مكان، ثمّ ما لبث أن غادر المدينة في الخامس والعشرين من ذي القعدة مصطحباً معه نساءه وابنته فاطمة الزهراء عليها السلام.
ولمّا أتمّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حجّه خرج من مكّة متّجهاً إلى المدينة ومعه تلك الوفود التي لم تشهد لها مكة نظيراً في تأريخها آنذاك. ولما انتهى إلى مكان قريب من الجُحفة يقال له غدير خمّ، وقبل أن يتفرّق الناس كلٌ إلى ناحيته، نزل في ذلك المكان في الصحراء وكان يوماً قائظاً شديد الحرارة. بعد أن نزل عليه صلى الله عليه وآله وسلم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ﴾.
أمر صلى الله عليه وآله وسلم بدوحات فجمعت له ووقف عليها حتّى يراه الناس ويسمعوه، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال كما في (البداية والنهاية): “كأنّي دُعيت فأجبت، إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض”، ثمّ قال: “الله مولاي وأنا وليّ كلّ مؤمن ومؤمنة”، وأخذ بيد علي عليه السلام وقال: “من كنت مولاه فهذا عليّ وليه، اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه”، وأضاف إلى ذلك في (البداية والنهاية)، أن الراوي قال قلت لزيد بن أرقم: أنت سمعته من رسول الله؟ فقال: ما كان في الدوحات أحد إلا رأه بعينه وسمعه بأذنيه.
وروى المفيد في كتاب الإرشاد عن الإمام الصادق عليه السلام أيضاً أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن انتهى من خطابه أفرد لعليّ عليه السلام خيمة وأمر المسلمين بأن يدخلوا عليه فوجاً فوجاً ويسلّموا عليه بإمرة المؤمنين، ففعل الناس ذلك كلّهم، وأمر أزواجه وسائر نساء المؤمنين ممّن معه أن يفعلن ذلك، وقال له عمر بن الخطاب يوم ذاك: بخ بخ لك يا عليّ أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة.
الوصية الأخيرة
لما قربت الوفاة من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مكث ثلاثة أيام موعوكاً، ثمّ خرج إلى المسجد معصوب الرأس معتمداً على أمير المؤمنين عليه السلام وعلى الفضل بن العبّاس، حتّى صعد المنبر فجلس عليه ثم قال: “معاشر الناس، قد حان منّي خفوف من بين أظهركم، فمن كان له عندي عِدَةٌ فليأتني أُعطه إياها، ومن كان له عليّ دينٌ فليخبرني به. معاشر الناس، ليس بين الله وبين أحد شيء يُعطيه به خيراً أو يصرف به عنه شراً إلّا العمل. أيّها الناس، لا يدّعي مُدّعٍ، ولا يتمنّى مُتمنّ، والذي بعثني بالحقّ لا ينجي إلّا عمل مع رحمة ولو عصيت لهويت، اللهمّ هل بلّغت“.
ثمّ نزل فصلّى بالناس صلاة خفيفة ودخل بيته.
وجاءه بلال والمرض قد اشتدّ به عند طلوع الفجر فنادى للصلاة، فقام صلى الله عليه وآله وسلم وهو لا يستقلّ على الأرض من الضعف، فأخذ بيده عليّ عليه السلام والفضل بن العبّاس فاعتمد عليهما، ورجلاه تخطّان الأرض من الضعف، وابتدأ الصلاة، ومكث فترة من الزمن مُغمى عليه، فبكى المسلمون وارتفع النحيب من أزواجه وابنته عليها السلام ونساء المؤمنين وجميع من حضر.
وفاة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم
كانت الساعات الأخيرة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شديدة على المسلمين لشعورهم بفراقه صلى الله عليه وآله وسلم، وفي اليوم التالي حُجب الناس عنه، وكان عليّ عليه السلام لا يفارقه إلّا لضرورة، فلمّا حضره الموت قال له: “ضع يا عليّ رأسي في حجرك فقد جاء أمر الله تعالى، فإذا فاضت نفسي فتناولها بيدك وامسح بها وجهك، ثمّ وجّهني إلى القبلة، وتولّ أمري، وصلّ عليّ أوّل الناس، ولا تفارقني حتّى تواريني في رمسي، واستعن بالله تعالى“.
فأخذ عليّ عليه السلام رأسه ووضعه في حجره، ففاضت نفسه الشريفة وهو إلى صدره عليه السلام. وكانت وفاته يوم الإثنين لليلتين بقيتا من صفر من السنة الحادية عشرة للهجرة، وهو ابن ثلاث وستّين سنة.



