الفرق بين طول الأمل وعلو الهمة


إنّ طول الأمل هو من الأمور المذمومة بشدّة في الأخلاق الإسلاميّة. فقد روي عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام: “إنّ أخوف ما أخاف عليكم اثنان: اتّباع الهوى وطول الأمل” ، فهو عليه السلام يخاف على المسلمين من أمرين: أوّلهما: الانصياع وراء أهواء النفس ونزواتها. لكنّه من الضروريّ التنويه هنا بأنّه ليس كلّ ما يطلب القلب فهو سيّئ ومحرّم, فقد يميل قلب المرء إلى شيء هو ممّا يوجبه الشرع أيضاً. أمّا مفهوم الهوى المستعمَل في الأخلاق فهو ذلك الذي يُخالف الشرع والعقل, وهو أن يميل القلب إلى ما تهواه النفس وليس إلى ما يرضى به الله ويُحبّه، وهو أمر غاية في الخطورة. وثانيهما: طول الأمل. فهو صلى الله عليه وآله وسلم طبيب خبير بأمراض الأُمّة وعللها وعارف بما يُمكن أن يفسد عليها دنياها وعقباها. لكنّ المهمّ هنا هو أن نعرف: ما المقصود بطول الأمل؟ فهل طالب العلوم الدينيّة الذي يطمح في أن يُصبح في المستقبل شخصيّة علميّة مرموقة هو من المبتلين بطول الأمل؟ أم الشخص الذي دخل مجال التصنيع ويحدوه أمل في أن يصبح يوماً مخترعاً بارزاً وصانعاً لا يُدانيه أحد في صناعته هو الآخر يشكو من صفة الأمل المذموم؟ فلولا تلك الآمال والطموحات لخبت شعلة الحياة وسكن نشاطها ولم يرتقِ المجتمع سلّم السموّ والتكامل. ولو قنع التلميذ باجتياز المرحلة الابتدائيّة ولم يطمح في أن يصبح أستاذ جامعة، أو عالماً، أو فيلسوفاً، أو مرجعاً في التقليد فإنّه لن يهتمّ بالدرس والمذاكرة. فالأمل في اللغة هو الرجاء والترقّب، وهو ليس بالأمر السيّئ. فالأمل والرجاء مفهومان متقاربان جدّاً في المعنى، ولولا وجودهما في حياة البشر لما أُنجزت أيّ فعّاليّة أو نشاط.أمّا مصطلح “الأمل” وفقاً للمفهوم الأخلاقيّ فهو الأماني العريضة التي تعيق المرء عن العمل بتكاليفه الشرعيّة والقيام بالأعمال القيّمة، وليس تلك الطموحات التي تحضّ المرء على بلوغ الكمال ودرجة القرب من الله عزّ و جلّ, كأن يتمنّى المرء أن يُصبح أثرى أثرياء العالم أو أن يصبح بطلاً رياضيّاً مشهوراً يُشار إليه بالبنان. فأمثال تلك الأماني والآمال تقف حجر عثرة أمام قيام المرء بواجباته الدينيّة وهي لذلك تُصنَّف ضمن لائحة الآمال المذمومة.أمّا من وجهة نظر الأخلاق والثقافة الإسلاميّة فإنّ الآمال والطموحات التي تبلغ بالمرء درجات الكمال والقرب من الله عزّ و جلّ فهي تندرج في إطار “علوّ الهمّة”، فليس من الأماني السيّئة أن يطمح الإنسان في أن يترقّى في مضمار التقوى والعلم والصناعة والإدارة ليتمكّن من خلال ذلك من إسداء خدمة إلى شعبه وأُمّته، أو أن يحدوه الأمل في أن يملك من الثروة ما يُمكّنه من الإنفاق على جميع فقراء مدينته, هذا بشرط أن يتوفّر طريق معقول للوصول إلى تلك الآمال والطموحات. فإن كنّا نعلم أنّ مقدار 99 بالمئة من هذه الآمال هو غير قابل للتحقّق فلن تكون طموحاتنا إلاّ ضرباً من نسج الخيال، أمّا إذا كان ثمّة سبيل معقول لتحقّقها على أرض الواقع وهدفٌ يرتضيه العقل والشرع من ورائها وأنّ احتمال تحقّقها يصل إلى نسبة خمسين بالمئة على الأقلّ فإنّها حينئذ من الآمال المعقولة التي لا غبار عليها” . “إنّ أنجع السبل لمحاربة الآمال العريضة والطويلة هي أن يُفكّر المرء ويتأمّل بعواقب تلك الآمال وليسأل نفسه: ما الذي يجلب تحقيق تلك الأماني البعيدة والطموحات الكبيرة لإنسان ليس له في هذه الحياة الدنيا من المهلة إلاّ القليل وليس هو فيها أكثر من مسافر؟ فبدلاً من هذه الآمال المذمومة فليفكّر الإنسان بما يعود على آخرته بالفائدة, كأن يبذل جهوداً أكبر على صعيد الأمور العباديّة، والسعي في طلب العلم وتربية الروح، وإعانة الفقراء، وتقديم الخدمات ذات النفع العامّ. ففي هذه الحالة يكون قد سعى وراء آمال لا تتعارض مع تكامل إنسانيّته..” .



