من رسائل عاشوراء.. الماء

محمد علي جواد تقي..
بين ظهيرة اليوم الثاني من المحرم وحتى ظهيرة اليوم العاشر، فترة زمنية بعدد ثمانية أيام بمقياس الزمن، لكنها طويلة لا تُحد في حساب القيم الانسانية والمعايير السماوية، يفقد فيها الماء قيمته الظاهرية ليأخذ بالمقابل قيمته الحضارية، وإلا فإن أي شخص في موقف الإمام الحسين، عليه السلام، يقود قافلة تضم عدداً كبيراً من الرجال والنساء والاطفال، ومهدد بالموت في كل لحظة، أن يأخذ كافة الاحتياطات والإجراءات الاحترازية من ناحية المؤن، وتحديداً الماء، قبل أن يستحيل سلاحاً بيد معسكر العدو ساعة اندلاع المواجهة، بيد أن الامام الحسين، عليه السلام، يُضيّف الحر الرياحي مع أفراد سريته بالماء، عندما رآهم قد علاهم التعب والارهاق من طريق الكوفة (الأموية) حتى المكان الأبدي له، عليه السلام! وقد عدّ التأريخ لنا عددهم بحوالي ألف فارس، وهو رقم كبير جداً يفوق عدد الموجودين في قافلة الامام مجتمعين.
إنه سؤال كبير؛ لماذا لم يدّخر الإمام الحسين الماء على الأقل للأطفال الصغار مثل؛ عبد الله الرضيع؟!
الجواب لا تستوعبه الرغبة النفسية والنظرة العاطفية المحدودة بالزمان والمكان، ليتسع الى رحاب اختبار إنساني كبير ماتزال أبوابه مفتوحة الى اليوم، ويبقى الى يوم القيامة للتحقق من نسبة الضمير والوجدان في نفوس أهل الكوفة المتجحفلين لقتاله بعد أن سقطوا في اختبار العقيدة بتنكرهم لمنزلة الامام الحسين عند الله –تعالى- وعند رسوله، فكما أنه، عليه السلام، واجههم بالحجج والبراهين العقلية والنقلية التي تؤكد ضلالة ما هم عليه، واجههم أيضاً باختبار الضمير رافعاً اليهم ابنه الرضيع بأن يسقوه شربة من الماء كونه خارج إطار المواجهة العسكرية بين الكبار.
ولذا لم يطلب الإمام الحسين من أعدائه الماء للنساء والاطفال مطلقاً، إنما كان يحذرهم من عواقب أعمالهم، ومنها السكوت والرضا بقرار السلطة الأموية حظر الماء على أهل بيت رسول الله، وعندما لم يبقَ معه، عليه السلام، سوى أخيه أبي الفضل العباس، سلام الله عليه، الذي ضاق صدره من وجود أولئك المنافقين أمامه، أراد خوض المعركة رغم أنه حامل لواء جيش الامام الذي كان يدَّخِره لآخر لحظة، فقال له، عليه السلام، “إن كان ولابد فاطلب لهؤلاء الاطفال قليلاً من الماء“.
إناطة مهمة سقي الماء لأبي الفضل العباس بعد استشهاد عبد الله الرضيع، لها دلالة عميقة في رسالة النهضة الحسينية بأن الضمير الانساني عندما يموت وبتلك الطريقة الشنيعة لن يُرتجى منه الرحمة مطلقاً، وإنِ ادَّعى صاحبه حياته فإن أي عمل يقوم به لن يحقق الاهداف النبيلة المرجوة مهما فعل، لأن أهدافا كبيرة مثل إصلاح الفساد في السياسة والاجتماع والاقتصاد يحتاج الى الضمير الحيّ والقلب السليم ليكون مستعداً لتمثّل قيم الصدق والأمانة والإخلاص والتضحية، وكل ما نحتاجه لتحقيق تلكم الاهداف وتغيير واقعنا المزري.
وعندما نرى التلكؤ في بعض مشاريع الإصلاح من جهات او اشخاص كُثر، رغم شعاراتهم القيمية والمبدئية، علينا البحث عما خلف هذه الادعاءات ومن أي قلب وضمير تصدر؟ وهل هذا “المُصلح” يشعر بما يشعر به مَنْ لا عهد له بفرصة عمل آمنة، ولا طمع له بحياة كريمة، أو يواسيهم في معيشتهم وما يواجهونه من ضغوطات في مجالات الحياة كافة؟
وعندما نقرأ في التأريخ ذلك المشهد المؤلم والشجي الذي صنعه الامام زين العابدين، عليه السلام، في أحد اسواق المدينة، عندما استوقف أحد القصابين وهو يروم ذبح كبش عنده، وسأله: أنتم معاشر القصابين لا تذبحون الكبش إلا بعد أن تسقوه الماء، فأجاب: بلى؛ يابن رسول الله، فيتوجه صوب كربلاء ويخاطب أباه الامام الحسين، ويقول: أبتاه! الكبش لا يُذبح حتى يُسقى الماء، وقد قتلت عطاشاً الى جنب الفرات، هذا، والناس يرون ويسمعون ما يشبه المنبر الحسيني اليوم، بيد أنه كان متحركاً يجوب الاسواق والازقة والمدن بفضل جهود الإمام زين العابدين، وايضاً الأئمة المعصومون من بعده، عليهم السلام، ليؤكدوا للناس أن الماء ليس مادة تهب الحياة لأبدانهم فقط، وإنما تهب الحياة لضمائرهم ايضاً؛ ولعل الآية القرآنية تشير الى هذا المعنى بأن {وجعلنا من الماء كل شيء حيّ}، والاشياء في الحياة تشمل ما عند الانسان وما في الطبيعة بأسرها.
والمحصلة؛ أن الماء في مدرسة عاشوراء يُعد أحد الفصول المهمة والمحورية لمن يروم الاستضاءة بنور النهضة الحسينية في حياته، فتوزيع الماء، ليس فقط في شهري محرم وصفر، وإنما على طول أيام السنة، يرمز الى لين القلب وحياة الضمير بين أفراد الامة، وهو ما نحتاجه اليوم بشدّة لمعالجة أزمات دقيقة ومعقدة للغاية في حياتنا الاجتماعية، مثل المشاكل الزوجية، والعلاقات المختلّة بين الابوين والابناء، وبين البائع والمشتري (الزبون) في عالم الاسواق والتجارة، ومن ثمّ بين المواطن ومؤسساته دولته.



