اراء

الاقتصاد الإيراني بعد الحرب… فرص وتحديات

بقلم: يحيى الصادق..

بعد توقيع رئيسي البلدين (الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية) مذكّرة التفاهم الرامية إلى إنهاء الحرب، تدخل إيران في مواجهة داخلية لا تقلّ أهميةً وخطورةً عن المواجهة العسكرية.

فالأوضاع الاقتصادية في البلاد، التي تفاقمت بسبب الحرب والحصار الأمريكي البحري، تستدعي خططاً حكومية طارئة واستراتيجية لمعالجتها والتخفيف من آثارها على معيشة المواطنين الإيرانيين، وإلّا فإنّ “العدو” سيحاول مجدّداً العمل على إعادة إنتاج سيناريوهات سابقة.

ومهمّة الحكومة لا تبدو سهلة، ولا يمكن إنجازها ضمن وقت قياسي في ضوء تراكم آثار العقوبات الغربية والخسائر المباشرة الكبيرة الناجمة عن العدوان الأخير، إذ بحسب تقديرات رسمية، فإنّ العدوان الأمريكي الإسرائيلي على المنشآت والمراكز الاقتصادية والخدمية المدنية نجمت عنه أضرار تتجاوز قيمتها 270 مليار دولار، وهو رقم كبير جداً لكونه يقترب من تقديرات صندوق النقد الدولي لحجم الناتج المحلي الإجمالي للجمهورية الإسلامية لعام 2026، والبالغ نحو 300 مليار دولار.

تستند الحكومة الإيرانية في مسعاها لإعادة إعمار ما دمّرته الحرب إلى مجموعة من الفرص المحلية والخارجية التي فرضها صمود الشعب الإيراني وقواته المسلحة وثبات المفاوض السياسي، إلا أنها في المقابل تدرك وجود تحدّيات ليست بالقليلة على مستوى حجم الخسائر ونوعيّتها.

فرص واعدة

الفرصة الأولى تتمثّل في تماسك الجبهة الداخلية وحالة الاستقرار التي عاشتها البلاد حتى في أصعب لحظات العدوان، وكما هو معلوم، فإنّ تنفيذ أيّة خطوات إصلاحية اقتصادية، عاجلة أو استراتيجية، يتطلّب دعماً شعبياً تتبدّى ملامحه في تفهّم خصوصية بعض المشاريع، والحاجة إلى التحلّي بالصبر، والثقة باستراتيجية الحكومة.

أما الفرصة الثانية فتتمثّل في البنود التي تضمّنتها مذكّرة التفاهم، من رفع الحصار البحري إلى رفع القيود عن الصادرات النفطية الإيرانية، وصولاً في مرحلة لاحقة إلى رفع جميع العقوبات المفروضة منذ سنوات.

وهذه ستمثّل نقلة نوعية في جهود الحكومة الإيرانية للتعافي، من حيث توفير الإيرادات التي تعيد الاستقرار إلى سعر الصرف، وتوفير السلع الأساسية في الأسواق المحلية بأسعار منافسة، وإعادة تشغيل الشركات والمنشآت الإنتاجية المتوقّفة.

أما الفرصة الثالثة فتتمثّل في تحرير الأموال الإيرانية المجمّدة منذ سنوات طوال في الخارج. والمعلومات المتداولة تتحدّث عن تحرير ما يقرب من 24 مليار دولار خلال فترة ستين يوماً، وهو مبلغ سيكون له أثر بالغ على سعر صرف العملة المحلية ومواجهة معدّلات التضخّم المرتفعة. وأياً كانت قيمة الأموال المحرّرة في المرحلة الأولى، فإنّ لها منعكساً نفسياً كبيراً على الاقتصاد والأسواق، لكونها مقدّمة لاستعادة طهران مبلغاً كبيراً من الأموال المجمّدة منذ سنوات.

ولا ننسى بالطبع ما نصّت عليه أيضاً مذكّرة التفاهم فيما يتعلّق بتقديم واشنطن وحلفائها خططاً بقيمة 300 مليار دولار لإعادة إعمار ما دمّره العدوان الأمريكي الإسرائيلي. وسواء كانت الفترة الزمنية لتطبيق هذه الخطط قصيرة أم طويلة، فإنّ فائدة طهران ستكون كبيرة لسببين: الأول تحميل واشنطن كلفة ما تسبّبت به من خسائر وأضرار، وهذه تبدو سابقة في الحروب التي شنّتها خلال السنوات الأخيرة. أما السبب الثاني فهو دعم الجهود المحلية بخبرات فنية وعلمية خارجية، إذ من المتوقّع مشاركة شركات عالمية كبرى في عملية الإعمار.

تحدّيات لا يمكن تجاهلها

وعلى أهمية ما سبق، فإنه لا يمكن التقليل من حجم التحدّيات التي تواجهها الحكومة الإيرانية محلياً وخارجياً. فالصمود الشعبي في مواجهة العدوان لا يقلّل من خطورة ما وصلت إليه الأوضاع الاقتصادية المحلية وتأثيرها المباشر على معيشة شريحة واسعة من المواطنين.

فالتضخّم سجّل نحو 70% بحسب التقديرات الدولية، والعملة فقدت نحو 60% من قيمتها، فضلاً عن مؤشرات أخرى، الأمر الذي يجعل الحكومة في سباق مع الزمن، لتخفيف جزء من معاناة المواطنين. وبالتالي فإنّ عامل الوقت ليس دوماً متاحاً بالدرجة التي تتمنّاها الحكومات.

وإذا كانت واشنطن و”تل أبيب” قد أجبرتهما الهزيمة على وقف العدوان، ومن ثمّ توقيع مذكّرة التفاهم، فإنّ ذلك لا يعني انحساراً في الدور التخريبي للولايات المتحدة و”إسرائيل” في المنطقة، بحكم التجارب السابقة ونقض العهود المعتاد من قبلهما. وبالتالي فإنّ الحكومة الإيرانية ستكون مضطرة إلى توزيع اهتمامها بين إعادة ترميم قدراتها وإمكاناتها العسكرية وبين مشروعها لإعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي.

وثمّة تحدٍّ أخير يتعلّق بمدى التزام الولايات المتحدة بتنفيذ بنود مذكّرة التفاهم أولاً، وصدق نيّاتها في التوصّل إلى حلّ دائم ينهي حالة العداء للجمهورية الإسلامية ويعترف بحقوقها المكفولة بموجب القانون الدولي والمواثيق الدولية ثانياً. فكما هو معروف، فإنّ إدارة ترامب هي التي ألغت الاتفاق النووي السابق، وهي التي انقلبت على تعهّداتها وشنّت حرباً في وقت كانت فيه المفاوضات على مقربة من تحقيق إنجاز تأريخي في جنيف بوساطة عُمانية.

اقتصاد إنتاجي

ليس هناك قلق حيال قدرة الاقتصاد الإيراني على تجاوز أضرار الحرب وخسائرها. ففي الوقت الذي كانت فيه العقوبات الغربية تزداد على مدار السنوات السابقة، كانت المنشآت والمعامل الإيرانية تقترب أكثر من تحقيق الاكتفاء الذاتي في الكثير من السلع والمنتجات المصنّعة وغير المصنّعة، وتضيف إلى خريطة صادراتها دولاً جديدة.

ومع هذا الانتصار الذي تحقّق على جبهتي الحرب والدبلوماسية، فإنّ الاقتصاد الإيراني سيكون مستقبلاً واحداً من أهمّ الاقتصادات في المنطقة والعالم، فهو لم يرتهن إلى ثروته النفطية الكبيرة كما فعلت دول أخرى، ولم ينجرف إلى الاقتصاد الريعي السريع التأثّر والانهيار في أوقات الأزمات، وإنما اتجه إلى الاعتماد على الاقتصاد الإنتاجي، وهو سرّ قوته وصموده.

وما يعزّز مصداقيّة ما سبق ما شهده شهر أيار الماضي من إجراءات حكومية كان هدفها استعادة النشاط الاقتصادي العامّ في البلاد، وتشجيع المستثمرين المحليين على العودة إلى أعمالهم ومشاريعهم. فمثلاً، عندما تجرؤ الحكومة على إعادة افتتاح سوق البورصة بعد إغلاق دام نحو 80 يوماً، وفي ظلّ هذه الظروف، فإنّ ذلك يمثّل أعلى درجات الثقة بالاقتصاد الوطني وقدرته على التعافي السريع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى