اخر الأخباراوراق المراقب

أم البنين (ع) ومنهج بناء الإنسان الحسيني

صباح الصافي..

يُمثِّل البحث في الشَّخصيات الرِّساليَّة أحد أهم المداخل لفهم كيفيَّة تشكِّل الوعي الدِّيني في مستواه التَّطبيقي؛ إذ لا تقتصر هذه الشَّخصيات على كونها نماذج تأريخيَّة تُروى سيرتها، وتتجاوز ذلك لتكون تجسيدًا لمنظومات فكريَّة يمكن استحضارها في بناء الإنسان المعاصر. وفي هذا الإطار، تبرز شخصيَّة السيِّدة أمِّ البنين (عليها السلام) بوصفها نموذجًا فريدًا في تمثُّل “العقليَّة الرِّساليَّة”؛ حيث اندمج الوعي بالموقف، والتَّفكير بالسُّلوك، لتقدِّمَ صورة متكاملة عن الإنسان الذي يعيش للرِّسالة لا لذاته.

 وتكتسب دراسة هذه الشَّخصيَّة أهميَّة مضاعفة في ظلِّ التَّحولات الفكريَّة والاجتماعيَّة التي يشهدها العصر الحديث، والتي أدَّت إلى تصاعد النَّزعة الفرديَّة، وتراجع مركزيَّة القيم الكبرى في توجيه السُّلوك. ومن هنا، يصبح استحضار نموذج السيِّدة أمّ البنين (عليها السلام) ضرورة معرفيَّة وتربويَّة، لا بوصفها حالة استثنائيَّة معزولة؛ وإنَّما باعتبارها مثالًا يمكن بواسطته إعادة بناء الوعي على أُسُس رساليَّة متينة.

 وعليه، فإنَّ إعادة سرد سيرة أمِّ البنين (عليها السلام)، تشكِّل أساسًا لإعادة ترتيب الأولويات في حياة الفرد والمجتمع، وإعادة توجيه النَّظر نحو القيم العليا التي قامت عليها رسالة الإسلام.

الإطار المفاهيمي لعقليَّة السيِّدة أمِّ البنين (عليها السلام)

 لم تكن مواقف السيِّدة الجليلة أم البنين (عليها السلام) وليدة عاطفة آنيَّة أو ظروف طارئة؛ ولكن كانت ثمرة رؤية واعية قائمة على إدراك لوظيفتها ضمن المنظومة الرِّساليَّة المرتبطة بالإمام الحسين (عليه السلام).

أوَّلًا: تعريف العقليَّة الرِّساليَّة ومقوِّماتها

 يمكن تعريف “العقليَّة الرِّساليَّة” بأنَّها نمط من الوعي الإنساني يتشكَّل على أساس الانتماء إلى الغاية الإلهيَّة، بحيث تصبح حركة الإنسان، في تفكيره وسلوكه وقراراته، منسجمة مع أهداف الرِّسالة الإلهيِّة ومقاصدها العليا. فهذه العقليَّة لا تنظر إلى الحياة بوصفها ساحة لتحقيق المصالح الشَّخصيَّة، وإنَّما تراها ميدانًا للابتلاء وتحقيق العبوديَّة لله (تعالى) من خلال نصرة الحقِّ والوقوف مع أوليائه (عليهم السلام).

وتستند هذه العقليَّة إلى جملة من المقوِّمات الأساسيَّة:

1-مركزيَّة “معرفة الإمام” بوصفها حجر الأساس في بناء الوعي الرِّسالي؛ إذ إنَّ الارتباط بالإمام المعصوم (عليه السلام) يهدي الإنسان إلى النَّهج الصَّحيح، ويمنحه معيار التَّمييز بين الحقِّ والباطل. وقد جاء في الحديث الشَّريف: “مَنْ ماتَ وَلَمْ يَعْرِفْ إمامَ زَمانِهِ ماتَ ميتَةً جاهِلَيَّةَ”، وهو نصٌّ يكشف أنَّ الجهل بالإمام انحراف في أصل الانتماء الرِّسالي.

2- تقديم “القضية” على “الذَّات”، بحيث تتراجع المصالح الفرديَّة أمام متطلبات الرِّسالة. وهذا المعنى يتجلَّى بوضوح في قوله (تعالى): (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، حيث تتحوَّل حياة الإنسان بأكملها إلى مسار موجه نحو الله (عزَّ وجلَّ)، لا تحكمه النَّزعات الذَّاتيَّة.

3-الوعي بالتَّكليف الشَّرعي بوصفه مسؤوليَّة مستمرة، لا تخضع للظُّروف أو الحسابات الدُّنيويَّة. فالعقليَّة الرِّساليَّة تدرك أنَّ القيمة الحقيقيَّة للفعل تقاس بمدى انسجامه مع الأمر الإلهي. وفي هذا الإطار، يبرز قول الإمام الحسين (عليه السلام): “وأنّي لَم أخرُج أشِراً ولا بَطِراً ولا مُفسِداً ولا ظالِماً، وإنَّما خَرَجتُ لِطَلَبِ الإِصلاحِ في أمَّةِ جَدّي صلَّى الله عليه وآله أريدُ أن آمُرَ بِالمَعروفِ وأنهى عَنِ المُنكَرِ، وأسيرَ بِسيرَةِ جَدّي مُحَمَّدٍ صلَّى الله عليه وآله وأبي عَلِيِّ بنِ أبي طالِبٍ عليه السلام”، ليؤكِّد أنَّ الحركة الرِّسالية تنطلق من تكليف، لا من رغبة شخصيَّة.

4-الاستعداد للتَّضحية؛ إذ لا يمكن للعقليَّة الرِّساليَّة أن تتحقق دون قابليَّة تقديم أغلى ما يملك الإنسان في سبيل الحقِّ. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى في قوله (سبحانه): (مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا)، حيث يصبح الوفاء بالعهد الإلهي معيارًا لصدق الإيمان.

 ثانيًا: الفرق بين التَّفكير الذَّاتي والتَّفكير المرتبط بالقضية

 ينبغي التَّمييز بين نمطينِ من التَّفكير: التَّفكير الذَّاتي، والتَّفكير المرتبط بالقضية. فالتَّفكير الذَّاتي يتمحوَّر حول “الأنا”، ويقيس الأمور بميزان الرِّبح والخسارة الشَّخصيَّة، ويتأثَّر بالانفعالات والميول الفرديَّة. وهو تفكير قد يقود إلى اتِّخاذ مواقف متقلبة؛ إذ إنَّ مرجعيته الأساسيَّة هي المصلحة الآنيَّة، لا المبدأ الثَّابت.

 أمَّا التَّفكير المرتبط بالقضية، فينطلق من إدراك الإنسان لانتمائه إلى مشروع أوسع، فيُخضِع رغباته وتطلعاته لمقتضيات هذا المشروع. وفي هذا النَّوع من التَّفكير، تصبح الأسئلة الجوهريَّة: ماذا يريد الله (سبحانه)؟

 وما هو الموقف الذي ينسجم مع خطِّ الإمام المعصوم (عليه السلام)؟

 لا: ماذا أريد أنا؟

 وقد جسَّد القرآن الكريم هذا التَّحول في الوعي في قوله (تعالى): (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)، حيث تنتقل ملكيَّة النَّفس من الإنسان إلى الله (تعالى)، فيتحوَّل وجوده إلى أمانة تُدار وفق الإرادة الإلهيَّة.

 ومن هنا، فإنَّ الفارق الجوهري بين النَّمطينِ يكمُنُ في طريقة التَّفكير والوعي؛ فالأوَّل وعي متمركز حول الذَّات، والثَّاني وعي متجاوز لها نحو الرِّسالة.

ثالثًا: خصوصيَّة شخصيَّة أمّ البنين (عليها السلام)

 في ضوء ما تقدَّم، يمكن الاقتراب من فهم خصوصيَّة شخصيَّة السيِّدة أمّ البنين (عليها السلام)، التي تمثِّل تجسيدًا للعقليَّة الرِّساليَّة في أرقى صورها. فهي لم تدخل بيت أمير المؤمنين (عليه السلام) بوصفها زوجة فحسب؛ وإنَّما باعتبارها عنصرًا واعيًا لدورها في خدمة الامتداد الحسيني.

 وتكشف مواقفها التَّأريخيَّة عن وعي عميق بهذه الوظيفة؛ “ويستفاد قوَّة إيمانها وتشيِّعها أنَّ “بشرا” كلَّما نعى إليها بعد وروده المدينة أحدًا من أولادها الأربعة، قالت ما معناه: أخبرني عن أبي عبد اللّه الحسين (عليه السّلام) فلمَّا نعى إليها الأربعة. قالت: قد قطعت نياط قلبي، أولادي ومن تحت الخضراء كلّهم فداء لأبي عبد اللّه الحسين (عليها السلام) أخبرني عن الحسين (عليها السلام) فإنَّ عُلقتها بالحسين (عليها السلام) ليس إلَّا لإمامته (عليه السّلام) وتهوينها على نفسها موت مثل هؤلاء الأشبال الأربعة إن سلم الحسين (عليه السلام)”، وهو تعبير صريح عن أنَّ مركز اهتمامها لم يكن الأبناء بوصفهم امتدادًا ذاتيًا؛ بل بوصفهم جنودًا في مشروع الحسين (عليه السلام).

 إنَّ هذه المواقف هي انعكاس لمنظومة فكريَّة رساليَّة ترى أنَّ القيمة الحقيقيَّة للأبناء تكمُنُ في موقعهم من القضية، لا في كونهم أبناءً فحسب. ومن هنا، تصبح أمُّ البنين (عليها السلام) نموذجًا فريدًا في تحويل الرَّوابط الطَّبيعيَّة (كالأمومة) إلى أدوات في خدمة الرِّسالة، لا عوائق أمامها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى