مكانـــة اللســـان العربـــي في الإســلام
أسماء بنت عيسى
كاتبة جزائرية
من نعم الله سبحانه و تعالى على خَلْقِهِ أن جعل لكلّ طائفة منهم لسانا يترجم ملكة التواصل التي يتمتّعون بها من الناحية البيولوجية في كل زمان و مكان، ، فخصّ من بين ما خصّ عباده العرب بنعمة العربية، وزيّن لسانهم بكتابه الأعظم مصداقا لقوله جلّ جلاله (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون)؛ فالمراد من هذه الآية الكريمة: إِنَّا أَنْزَلْنَا هَذَا الْكِتَاب الْمُبِين قُرْآنًا عَرَبِيًّا عَلَى الْعَرَب; لِأَنَّ لِسَانهمْ وَكَلَامهمْ عَرَبِيّ, لِيَعْقِلُوهُ وَيَفْقَهُوا مِنْهُ.
فكان شرفًاً للعرب أن يقترن لسانهم بهذه المعجزة الخالدة، وما لبثوا أن حملوا رسالة الإسلام وجابوا بها أصقاع العالم، فاستعربت شعوب كثيرة، فتركت لغاتها الأولى وآثرت لغة القرآن الكريم.
يتّضح جليّا ممّا سبق تلك المكانة التي حظي بها ولا يزال يحظى اللسان العربي في الإسلام، كيف وهو السبيل الأمثل لفهم دستوري الحياة أي الكتاب و السنة، إذ لا يمكن كشف أسرارهما واستكناه مضامينهما الخفية إلّا من خلال هذا الكنز الثمين.
وللتأكيد أكثر فإنّ لنا في القرآن الكريم آيات بيّنات هي ذروة سنام كلّ من ينافح عن هذا اللسان الجليل ضدّ من أرادوا الغضّ من شأنه، وفيما يلي بيانها، يقول تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، ويقول جلّ جلاله (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِين * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾، ويقول سبحانه: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾، ويقول تعالى ذكره: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
إنّ هذه الآيات مجتمعة تنوه بمنزلة اللسان العربي في القرآن الكريم الذي شرّف الله به نبيه الأعظم، ومن بعده أمّته التي تلقت رسالته النبيلة بالرضا والقبول، أمّا عن العرب في العصر الجاهلي فقد كان شرفهم الأعظم تلك السليقة اللغوية التي طبعت لسانهم في مجالس الشعر وغيرها لولا دخول الأعاجم وتفشّي اللحن.
وقال عبدالله بن عباس (رضي الله عنهما): «ما كنتُ أدري ما معنى: “فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ” حتى سمعتُ امرأةً من العربِ تقول: أنا فطرتُه؛ أي: ابتدأته»، وقال: «إذا خَفِيَ عليكم شيءٌ من القرآنِ، فابتغوه في الشِّعرِ؛ فإنَّه ديوانُ العرب».
كما انبرى لبيان هذه القيمة أيضا فطاحل العلماء من الأصوليين والمفسرين، حيث نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:
ـ يقول الشافعي (ت 204 هـ): «لا أُسأل عن مسألةٍ من مسائل الفقه، إلا أجبت عنها من قواعدِ النحو».
ـ ويقول فخر الدين الرّازي ( ت 604 هـ وقيل غير ذلك): «لما كان المرجعُ في معرفة شرعِنا إلى القرآنِ والأخبار، وهما واردان بلغةِ العرب ونحوهم وتصريفهم، كان العلم بشرعنا موقوفًا على العلم بهذه الأمور، وما لا يتمُّ الواجبُ المطلق إلا به ـ وكان مقدورًا للمكلف ـ فهو واجب».
ـ ويقول الشاطبي (ت 790 هـ): «وعلى النَّاظرِ في الشريعةِ والمتكلم فيها أصولاً وفروعاً أمران؛ أحدهما: ألا يتكلَّمَ في شيء من ذلك حتى يكون عربيًّا أو كالعربي؛ في كونِه عارفًا باللِّسان العربي، بالغًا فيه مبلغ العرب؛ قال الشَّافعي (رحمه الله): فمن جهل هذا من لسانها ـ وبلسانها نزل الكتاب، وجاءت السنة ـ فتكلَّفَ القول في علمِها، تكلف ما يجهل بعضه، ومن تكلف ما جهل وما لم تثبتْ معرفتُه، كانت موافقته للصواب ـ إن وافقه ـ غيرَ محمودة، والله أعلم، وكان بخطئه غيرَ معذورٍ؛ إذ نطق فيما لا يحيطُ علمه بالفرقِ بين الخطأ والصواب فيها».
ـ ويقول الزركشي (ت 794 هـ): «واعلم أنَّه ليس لغيرِ العالم بحقائقِ اللغة وموضوعاتها تفسير شيء من كلامِ الله، ولا يكفي في حقِّه تعلم اليسير منها؛ فقد يكونُ اللَّفظُ مشتركاً وهو يعلم أحدَ المعنيين والمراد المعنى الآخر».
نستشف من الأقوال السابقة حكم تعلّم اللسان العربي في الشرع، إذ يعدّ تعلّمه واجباً على كل من أراد أن يجلي عن ناظره غشاء الجهل فيما يرتبط بمعاني كتابه عزّ و جلّ و سنّة نبيه المطهرة.
صفوة القول أنّه لا يمكن لأي جاحد أن ينكر قيمة هذه النعمة التي خصّنا الله بها دون سوانا، فهي المعين الذي لا ينضب، ونبع المعرفة الذي يسقي كل باحث يسعى إلى خدمة كتابه عزّ و جلّ والإعلاء من شأن الإسلام و المسلمين.



