اخر الأخبارثقافية

[خفافيش الادعاء … طواويس التسقيط الثقافي]

الروائي: جواد الكاتب..
إن المخاض الذي يمر به الروائي الحقيقي لولادة حكاية إبداعية واحدة، ليس مجرد نزهة على الورق، بل هو احتراق كامل، إنه استنزاف للروح، وتنقيب في الذات، وسهر يمتد لشهور وسنوات من أجل صياغة عالمٍ ينمي وعي الإنسان، ويرتقي بذائقته، ويمنحه عيوناً جديدة يرى بها الوعي والواقع. الروائي المبدع هو مهندس الضمير وموثّق اللحظة الإنسانية الهاربة… لكننا اليوم، نعيش زمنًا هجمت فيه (خفافيش الادعاء)، أو على حد تعبير الروائي والقاص “رياض داخل” (طواويس) واستشرى فيه مزوّرو الثقافة، أولئك الأدعياء الذين بلا موهبة ولا حياء، يسرقون الأفكار، وينتحلون الصفات، ويزورون الوعي بكتبٍ فارغة المحتوى، ركيكة اللغة، لا تسمن ولا تغني من فكر… هؤلاء المزورون، أغلبهم (بقاط ورباط وحقيبة دبلوماسية وقناع وجه) حوّلوا الثقافة إلى “وجبة سريعة” ومسرح للوجاهة الاجتماعية، مستغلين الفوضى ليتصدروا المشهد بثيابٍ مستعارة.
أمام هذا السيل من الزيف، لم يعد الوقوف على الحياد، مقبولاً، إن احترام الروائي المبدع لا يكون بالمديح المجاني على منصات التواصل “ولربما مفروض مقابل ثمن”، بل يبدأ من سلوك عملي حقيقي يبدأ من الدعم المالي المباشر، وأول خطوة في دعم المبدع هي شراء كتابه من مصادره الشرعية، (دار نشر أو مكتبة أو حتى من الكاتب نفسه) فالكتاب هو عصب استمرارية الكاتب في عطائه، وقرصنة جهده أو الاستخفاف بشراء نتاجه هو مشاركة في اغتيال الإبداع.
المفروض كشعب قارئ “مثقف” كما وصفنا العرب سابقاً فلا بد من أن يكون القارئ سفيراً للكلمة الطيبة بـالحديث عن الرواية المبدعة، ومشاركتها مع محيطه، وخلق نقاشات حية حولها لضمان وصولها إلى مستحقيها، (لا النبش في السيان عن حب رقّي)… وأكثر من هذا، على القنوات التلفزيونية إن تضافر جهودها، كلٌّ من موقعه، فالقنوات عليها أن تتوقف عن تلميع الفراغ واستضافة الأدعياء لمجرد “التريند”. الواجب المهني والوطني يفرض عليها التنويه بالمنجز الروائي الحقيقي، والتعريف بكتابنا الرائعين، وتقديمهم للجمهور كواجهة حضارية للبلد، ناهيك عن فلاتر الوعي النقاد ذوو الخبرة والاختصاص، المطلوب منهم أن يتلاقفوا المنجز الابداعي الحقيقي بالدراسة والتقييم، بفرز الصالح عن الطالح وتشريح النصوص بالعلم والخبرة لا بالمجاملات ودفع ديّة القراءة والنقد، ليتسنى بذلك عزل المزورين الفاسدين وإعادة الاعتبار للمبدعين، لأن ما يواجهه المثقف الحقيقي اليوم هو حملات تشويه ممنهجة متعمدة تُشن ضد المثقف أو المبدع الحقيقي، بهدف اغتياله معنوياً وإسقاط مكانته الرمزية أمام المجتمع، وتسمى بالتسقيط الثقافي كضريبة يدفعها كل صاحب فكر مستنير. لذا، أصبح لزاماً علينا – كقراء، ومثقفين، ومؤسسات رصينة – أن نشكل درعاً منيعاً لصد هذا التسقيط، وأن نحمي قاماتنا الإبداعية من الطعن والتشويه، لأن طعن المثقف هو طعن لوعي الأمة ومستقبلها. المعركة اليوم واضحة، إما أن ننصر الحرف الحقيقي، أو نترك الساحة لـمزوري الثقافات ليعيثوا في عقول الأجيال فساداً، خيارنا هو دعم الإبداع، وشراء الكتاب، وإعلاء شأن المبدع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى