التحلي بصفات الصالحين .. هو باب النجاة والفوز


إنّ سلوك سبيل الصالحين والتحلّي بحِلْيتهم وسماتهم، هو باب النجاة والفوز يوم لا ينفع مال ولا بنون إلّا من أتى الله سبحانه بقلب سليم. وسبيل الصالحين هو طريق ذات الشوكة، ويحتاج إلى جهاد وسعي ومثابرة، فطريق الجنّة حُفّت بالمكاره، وطريق النار حُفّت بالشهوات.ومن يُحدّد طريقه هو نحن وما التوفيق والتسديد إلا من الله تبارك وتعالى. يقول الإمام زين العابدين عليه السلام في دعاء أبي حمزة الثماليّ: “اللّهمّ ألحقني بصالح من مضى، واجعلني من صالح من بقي وخذ بي سبيل الصالحين، وأعنّي على نفسي بما تُعين به الصالحين على أنفسهم..”. نُلاحظ أنّ الإمام عليه السلام يدعو الله تعالى لأن يُلحقه بالصالحين وأن يُبقيه في سبيلهم، الأمر الذي يدفعنا للبحث عن هؤلاء الصالحين، واستكشاف سبيلهم وأحوالهم. والسؤال الأهمّ: هل نحن من هؤلاء القوم الصالحين الّذين يتمنّى الإمام عليه السلام الالتحاق بهم؟! وإذا لم نكن منهم فما السبيل للالتحاق بهم؟ وهل يُمكن أن نتّصف بصفاتهم وسماتهم؟ إنّ مقام الصالحين من المقامات العالية، الّتي جهد الأنبياء والأولياء في طلبها وسؤالها من الله تعالى، فبلّغهم سبحانه ذلك، وهناك العديد من الشواهد القرآنيّة الّتي تحدّثت عن هذا الأمر: قال تعالى: وإِسْماعِيل وإِدْرِيس وذا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّن الصّابِرِين * وأدْخلْناهُمْ فِي رحْمتِنا إِنّهُم مِّن الصّالِحِين وقال: ولُوطًا آتيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا ونجّيْناهُ مِن الْقرْيةِ الّتِي كانت تّعْملُ الْخبائِث إِنّهُمْ كانُوا قوْم سوْءٍ فاسِقِين * وأدْخلْناهُ فِي رحْمتِنا إِنّهُ مِن الصّالِحِين وآيات اخرى كثيرة. ولكي نلتحق بركب الصالحين من الأنبياء والأولياء علينا أن نقتدي بهم ونسلك سبيلهم الّذي أوضحه الله جلّ جلاله في محكم كتابه العزيز: يُؤْمِنُون بِاللهِ والْيوْمِ الآخِرِ ويأْمُرُون بِالْمعْرُوفِ وينْهوْن عنِ الْمُنكرِ ويُسارِعُون فِي الْخيْراتِ وأُوْلـئِك مِن الصّالِحِين. فسبيل الصالحين هو الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر والأمر بالمعروف والخير، والنهي عن كل ما نهى عنه الله تعالى من منكر وسوء، فإذا فعلنا ذلك ظهرت علينا سمات الصالحين وأظهر الله بأيدينا آثارهم. يُناجي مولانا الإمام زين العابدين عليه السلام الله جلّ جلاله فيقول: “.. وأعنّي على نفسي بما تُعين به الصالحين على أنفسهم، ولا تردّني في سوء استنقذتني منه أبداً، واختم عملي بأحسنه،واجعل ثوابي منه الجنّة، برحمتك يا أرحم الراحمين”. نعم، وما أُبرِّىءُ نفْسِي إِنّ النّفْس لأمّارةٌ بِالسُّوءِ إِلاّ ما رحِم ربِّي إِنّ ربِّي غفُورٌ رّحِيمٌ9. هذه النفس الأمّارة الّتي حذّر الله تعالى نبيّه المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم منها، قائلاً في حديث المعراج: “يا أحمد لا تتزيّن بلبس اللباس وطيب الطعام ولين الوطاء، فإنّ النفس مأوى كلّ شر، ورفيق كلّ سوء تجرّها إلى طاعة الله وتجرّك إلى معصيته… وتطغى إذا شبعت وتشكو إذا جاعت، وتغضب إذا افتقرت وتتكبّر إذا استغنت، وتنسى إذا كبرت وتغفل إذا أمنت، وهي قرينة الشيطان. ومثل النفس كمثل النعامة، تأكل الكثير وإذا حُمل عليها لا تطير، ومثل الدفلي (الدفلي: نبت زهره كالورد الأحمر)، لونه حسن وطعمه مرّ”. نعم، هذه النفس الّتي يشكوها الإمام زين العابدين عليه السلام لله تعالى في مناجاته فيقول: “إلهي إليك أشكو نفساً بالسوء أمّارة، وإلى الخطيئة مُبادرة، وبمعاصيك مولعة،… كثيرة العلل، طويلة الأمل، إن مسّها الشرّ تجزع، وإن مسّها الخير تمنع، ميّالة إلى اللعب واللهو، مملوءة بالغفلة والسهو، تُسرع بي إلى الحوبة، وتُسوّفني بالتوبة”.إذاً هذه أنفسنا الّتي إن تركناها كيفما تشاء أخذتنا إلى الباطل والضياع إلّا ما رحم الله تعالى، قال سيّد الساجدين: عليه السلام: “وأوهن قوّتنا عمّا يُسخطك علينا، ولا تُخلِّ في ذلك بين نفوسنا واختيارها، فإنّها مختارة للباطل إلّا ما وفّقت، أمّارة بالسوء إلا ما رحِمت”. لذا الإنسان المؤمن يعيش حالة الخوف والترقّب من خاتمة حياته وخاتمة أعماله، ويعيش حالة التأرجح بين حسن العاقبة وسوء العاقبة، ولنِعم ما قاله الإمام عليّ عليه السلام: “كلّ مخلوق يجري إلى ما لا يدري” .وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “لا يزال المؤمن خائفاً من سوء العاقبة، لا يتيقّن الوصول إلى رضوان الله حتى يكون وقت نزع روحه وظهور ملك الموت”. بالتالي فإنّ ملاك العمل بخواتيمه، عن السيد المسيح عليه السلام: “إنّ الناس يقولون: إنّ البناء بأساسه وأنا لا أقول لكم كذلك. قالوا: فماذا تقول يا روح الله؟
قال: بحق أقول لكم: إنّ آخر حجر يضعه العامل هو الأساس”. وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “ملاك العمل خواتيمه” .وأن نختم أعمالنا وحياتنا بأحسن الأعمال وخيرها لا أن نختمها بسوء وشرّ، هو ما يرضي الله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “خير الأمور خيرها عاقبة”، وعنه عليه السلام: “إنّ حقيقة السعادة أن يُختم للمرء عمله بالسعادة، وإنّ حقيقة الشقاء أن يُختم للمرء عمله بالشقاء”.قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “إنّ الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنّة، ثم يُختم له بعمل أهل النار، وإنّ الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل النار ثم يُختم عمله بعمل أهل الجنّة”. وهذا بحاجة للطف إلهيّ خاصّ، فلا ينبغي لنا أن نُسوّف التوبّة، فلعلّ الموت يُدركنا قبلها، ولا ينفع عند ذلك ندم. لهذا يوصينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “لا عليكم أن تعجبوا بأحد حتى تنظروا بما يُختم له، فإنّ العامل يعمل زماناً من عمره أو برهة من دهره بعمل صالح لو مات عليه دخل الجنّة ثم يتحوّل فيعمل عملاً سيّئاً”وأن من موجبات حُسن العاقبة هو الالتزام بعمود الدين، وتجنّب خصلة العلوّ والتكبّر على الآخرين مهما بلغنا من مقامات ومراتب في هذه الدنيا الدنيّة وتعظيم الله سبحانه وحمده وشكره على جزيل نعمه، وأن نعلم علم اليقين القاطع الّذي لا يشوبه شكّ أو ظنّ، بأنّ كلّ سعادة نعيشها، وكلّ خير وتوفيق في هذه الدنيا هو من الله تعالى وفضله ورحمته.



