كيف نكتسب الحكمة؟

صباح الصافي..
تُمثِّل سِيَرُ الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) والأولياء والحكماء الذين خلَّد القرآن الكريم ذِكرهم، وأكَّدت روايات أهل البيت (عليهم السلام) الاقتداء بهم، مدرسةً معرفيَّةً وتربويَّةً متكاملة تهدي الإنسان إلى سبل الرُّشد والصَّلاح النَّفسي والاجتماعي. فالقرآن الكريم لا يعرض الشَّخصيات الرِّسالية بوصفها أحداثًا تأريخيَّة جامدة، وإنَّما يقدِّمها نماذج لبناء الإنسان وإصلاح فكره وعمله؛ قال الله (تعالى): (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ).
ومن الشَّخصيات التي خصَّها القرآن الكريم بمقامٍ رفيعٍ، وجمع لها بين الثَّناء الإلهي والتَّوجيه التَّربوي شخصيَّة لقمان الحكيم (عليه السلام)، الذي ارتبط اسمه بالحكمة والتَّقوى والبصيرة. قال الله (سبحانه): (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) وتكشف هذه الآية المباركة عن حقيقة غنيَّة بالمعاني، وهي أنَّ الحكمة حالة وعيٍ تُثمر معرفة الله (تعالى)، وتدفع الإنسان إلى الشُّكر العملي، وحسن إدارة النَّفس والحياة.
ولا نريد من هذه الصَّفحات دراسة الخلافات التَّأريخيَّة المتعلِّقة بشخصيَّة لقمان (عليه السلام)، من حيث كونه نبيًّا أو عبدًا صالحًا أو حكيمًا؛ لأنَّ تلك المسائل -على أهميَّتها- لا تمثِّل المحور الأساس لهذا المقال، وإنَّما ينصبُّ الاهتمام على البعد التَّربوي والمعرفي في شخصيَّته، ولا سيَّما الكيفيَّة التي بلغ بها مقام الحكمة حتَّى استحق هذا التَّكريم الإلهي. فالقرآن الكريم عدَّ الحكمة من أعظم العطايا الربَّانيَّة، فقال الله (عزَّ وجلَّ): (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) الأمر الذي يكشف عن سعة آثارها في بناء شخصيَّة الإنسان، وتوجيه مسيرته العلميَّة والعمليَّة.
ومن هذا المنطلق، فإنَّ دراسة الحكمة في حياة لقمان (عليه السلام) تفتح آفاقًا واسعة لفهم الأصول التي تُبنى عليها الشَّخصيَّة المؤمنة، كما تمنح رؤية أوضح للعلاقة بين المعرفة والإيمان وآلية التَّصرُّف. فالحكمة منهج ينعكس على علاقة الإنسان بربِّه (جلَّ جلاله)، وبنفسه، وبأسرته، وبالمجتمع الذي يعيش فيه.
لذلك، سنحاول دراسة مفهوم الحكمة في ضوء النَّص القرآني والرِّوايات الشَّريفة، وبيان السُّبل التي تقود الإنسان إلى اكتسابها، مع تحليل آثارها الفكريَّة والتَّربويَّة والاجتماعيَّة، وقراءة الامتدادات العمليَّة التي تظهر في سلوك الفرد والأسرة والمجتمع. ولأجل تحقيق هذا الهدف، ستُبحث المسألة ضمن أربعة محاور تتكامل فيما بينها لرسم صورة شاملة عن الحكمة في مدرسة لقمان (عليه السلام).
الحكمة لغةً من “حَكَمَ أصله: مَنَع منعاً لإصلاح، ومنه سُمي اللِّجام: حَكَمةَ الدَّابة… والحكمة إصابة الحقِّ، بالعلم والعقل.
أمَّا اصطلاحًا: “معرفة مواضع الأشياء، وعلم الارتباط بين الأسباب والمسببات.
أو “العلم الذي يرفع الإنسان عن فعل القبيح، مستعار من حَكَمة اللجام؛ وهي ما أحاط بحنك الدَّابة، ومنعها الخروج… وسمِّيت حكمة؛ لأنَّها مانعة من الجهل.
وهذه التَّعاريف تكشف عن أبعاد واسعة لمعنى الحكمة، وتُظهر أنَّها قوَّة نفسيَّة تجعل الإنسان يضع كلَّ شيءٍ في موضعه الصَّحيح. فالجذر اللغوي لكلمة “حَكَمَ” المرتبط بالمنع والإصلاح يفتح بابًا مهمًّا لفهم حقيقة الحكمة؛ وأنَّ الحكيم مَن تمنعه معرفته من الانحراف، كما يمنع اللجامُ الدَّابةَ من التَّفلُّت.
كما أنَّ تعريفها بـ”إصابة الحقِّ بالعلم والعقل” يلفت النَّظر إلى أنَّ الحكمة قدرةٌ على الوصول إلى الحقيقة، والتَّمييز بين الصَّواب والخطأ، والنَّافع والضَّار. فقد يمتلك الإنسان ثقافة واسعة؛ لكنَّه يفتقد الحكمة حين يعجز عن اتِّخاذ الموقف الصَّحيح أو توظيف علمه في الخير.
أمَّا التَّعريف الاصطلاحي الذي يربط الحكمة بـ”معرفة مواضع الأشياء، وعلم الارتباط بين الأسباب والمسببات” يبيِّن أنَّ الحكيم يرى نتائج الأفعال قبل وقوعها، ويدرك أنَّ لكلِّ تعاملٍ أثرًا، ولكلِّ قرارٍ تبعات، ولذلك لا يتعامل مع الحياة بعشوائيَّة أو اندفاع.
ويزداد المعنى جمالًا في التَّعريف الذي يجعل الحكمة “علمًا يرفع الإنسان عن فعل القبيح”؛ لأنَّه ينقل الحكمة من دائرة الفكر إلى دائرة المنهج العملي. فالحكمة الحقيقيَّة تظهر في الأقوال وفي قدرة الإنسان على كبح شهواته، والسَّيطرة على غضبه، ومنع نفسه من الانحدار نحو الخطأ.
ومن مجموع هذه التَّعاريف يمكن القول: إنَّ الحكمة نورٌ يهدي العقل، وضابطٌ يحفظ النَّفس، وبصيرةٌ تكشف حقائق الأمور، وقوَّةٌ تدفع الإنسان إلى اختيار الخير وترك القبيح. ولذلك كانت الحكمة من أعظم النِّعم التي يمنحها الله (تعالى) لعباده؛ لأنَّها تصنع الإنسان المتوازن الذي يرى بعين الحقيقة، ويتحرَّك وفق ميزان الحقِّ.
وقد تناولت روايات أهل البيت (عليهم السلام) مفهوم الحكمة ببيانات متعدِّدة تكشف عن سعتها وعمقها، وتوضِّح أنَّ الحكمة حقيقة جامعة ترتبط بالعقل والمعرفة والطَّاعة والبصيرة. ومن النُّصوص الواردة في ذلك ما رُوي عن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) في وصيته لهشام بن الحكم (رضوان الله عليه): “يا هِشامُ، إنّ اللَّه (تعالى) يَقولُ في كِتابِهِ: (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ) يعني العقل، وقال: (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ) قَالَ: الفَهمَ والعَقلَ” وتكشف هذه الرِّواية عن أنَّ الحكمة ترتبط بسلامة التَّعقل؛ لأنَّ العقل هو الأساس الذي تنطلق منه الرُّؤية الصَّحيحة للأشياء، وبه يستطيع الإنسان أن يميِّز بين الحقِّ والباطل، وبين ما ينفعه، وما يضره.
كما ورد عن الإمام محمَّد الباقر (عليه السلام) حين سأله أبو بصير عن قول الله (تعالى): (وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا)، فَقَالَ: طَاعَةُ اللَّهِ، وَمَعْرِفَةُ الْإِمَامِ” ويظهر من هذا التَّفسير البعد العملي والعقائدي للحكمة؛ إذ لا تنفصل الحكمة في النُّصوص الشَّريفة عن الارتباط بالله (تعالى)، ولا عن الهداية التي تتمثَّل بمعرفة الإمام الحقِّ (عليه السلام) والسَّير في خطِّ الطَّاعة والالتزام. فالمعرفة التي لا تقود إلى الطَّاعة تبقى معرفة ناقصة الأثر، أمَّا الحكمة الحقيقيَّة فهي التي تُثمر استقامةً في الفكر والسِّيرة.
وعن سليمان بن خالد قال :سَأَلتُ أبا عَبدِ اللهِ (عليه السلام) عَن قَولِ اللهِ –سبحانه-: (وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا)، فَقالَ: إنَّ الحِكمَةَ المَعرِفَةُ والتَّفَقُّهُ فِي الدّينِ، فَمَن فَقِهَ مِنكُم فَهُوَ حَكيمٌ” وتُبيِّن هذه الرِّواية أنَّ الحكمة فهم نافذ لحقائق الدِّين، ينعكس على معرفة الإنسان وخُلُقه، حتَّى يصبح عنصر هداية وإصلاح في المجتمع.
ولا يوجد تعارض بين هذه التَّعريفات المتعدِّدة للحكمة؛ لأنَّ كلَّ رواية تناولت جانبًا من جوانبها أو ركنًا من أركانها. فالعقل والفهم يمثِّلان الأساس المعرفي للحكمة، وطاعة الله (تعالى) ومعرفة الإمام (عليه السلام) يجسِّدان بعدها الإيماني والعملي، أمَّا التَّفقه في الدِّين فيعبِّر عن رؤية واضحة وإدراك للواقع. ومن مجموع هذه المعاني تتكوَّن الصُّورة الكاملة للحكمة بوصفها حالة من النُّضج العقلي والإيماني والأخلاقي، تقود الإنسان إلى السَّعادة الحقيقيَّة، وتحفظه من الانحراف والضياع في الدُّنيا والآخرة.



