اخر الأخبارالاخيرة

تفسير سورة الفاتحة

تُمثِّل سورة الفاتحة في البناء القرآني بمثابة المفتاح الأوَّل لفهم الخطاب الإلهي، فهي خلاصة للمنظومة العقائديَّة والفقهيَّة والأخلاقيَّة في الإسلام، بحيث تختزل مسار علاقة الإنسان بربِّه (سبحانه) من جهة المعرفة، والعبوديَّة، والهداية. وقد أشار القرآن الكريم إلى مركزيَّة الهداية في هذا السِّياق بقوله (تعالى): (إهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ)، ممَّا يجعل هذه السُّورة إطارًا دائمًا لتجديد الوعي للإنسان في كلِّ صلاة.

 وفي تفسير “تقريب القرآن إلى الأذهان” يظهر توجهٌ واضح نحو نقل المعنى القرآني من دائرة الشَّرح اللفظي التَّقليدي إلى دائرة الإدراك القريب من عقل المتلقي ووجدانه، بحيث يتحوَّل النَّص القرآني من معلومة تفسيريَّة إلى تجربة تُستحضر في الشُّعور والسُّلوك. وهذا المنهج يقوم على فكرة أنَّ الفهم يتعزَّز عندما يتغلغل في نفس الإنسان، ويؤثِّر في رؤيته للعالم واتِّجاهاته.

 وبذلك يسعى هذا التَّفسير إلى إعادة بناء العلاقة بين القارئ والقرآن على أساس التَّفاعل، لا الاكتفاء المعرفي؛ أي: أنَّ الإنسان لا يقف عند حدود “معرفة المعنى”، وينتقل إلى مرحلة “تجسيد المعنى” في حياته اليوميَّة، فيتحوَّل القرآن من نصٍّ يُتلى إلى مشروع يتجسَّد على أرض الواقع.

 وقد ورد في الرِّوايات الشَّريفة ما يؤكِّد هذا البعد التَّفاعلي مع القرآن؛ عن الإمام عليٍّ (عليه السلام): “اللَّه اللَّه فِي الْقُرْآنِ، لَا يَسْبِقُكُمْ بِالْعَمَلِ بِه غَيْرُكُمْ”، وهو توجيه يكشف أنَّ القيمة الحقيقيَّة للاهتمام بالقرآن تتحقَّق حين يتحوَّل إلى ممارسة وسلوك، لا مجرَّد فهم نظري.

و ينطلق تفسير “تقريب القرآن إلى الأذهان” عند افتتاح سورة الفاتحة بـ(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ)، باعتبارها نقطة الدُّخول الأولى إلى فضاء الخطاب الإلهي، ومفتاح الارتباط بين الإنسان وربِّه (عزَّ وجلَّ). غير أنَّ التَّفسير لا يتوقف عند المعنى السَّطحي للاستعانة، ويلتفت إلى دقَّةٍ دلاليَّة ذات أبعاد معرفيَّة عميقة، وهي أنَّ التَّعبير القرآني لم يأتِ بصيغة “بالله”، وجاء بصيغة “بِاسْمِ الله”، وهو اختيار لغوي يشير إلى أنَّ التَّوجه إلى الله (سبحانه) يمرُّ عبر “الاسم” بوصفه تجلِّيًّا تعريفيًّا وإدراكيًّا للذَّات الإلهيَّة في حدود فهم الإنسان.

 وبهذا الانتقال من “الذَّات المطلقة” إلى “الاسم المُعرِّف”، يتحوَّل المفهوم من كونه فكرة غيبيَّة مجرَّدة إلى كونه جسرًا يربط المحدود باللامحدود، ويمنح الإنسان قدرة على التَّفاعل مع المعنى الإلهي ضمن إطار معرفي قابل للتَّلقي. ومن هنا تظهر خصوصيَّة هذا التَّفسير في تُقريب الغيب إلى الأذهان من دون أن تُسقط قدسيَّته أو تُفرغه من عمقه.

 ثمَّ ينتقل التَّفسير إلى الوقوف عند صفتَي “الرَّحمن الرَّحيم” بوصفهما كاشفتين عن طبيعة العلاقة بين الإنسان وخالقه (سبحانه). فالإله في هذا التَّصور هو يتَّصف بالرَّحمة الشَّاملة التي تتَّسع للوجود كلِّه، بحيث تتحوَّل الرَّحمة إلى قانون يحكم العلاقة في كلِّ مجالاتها.

 وقد أكَّد القرآن الكريم هذا المعنى في أكثر من موضع، منها قول الله (تبارك وتعالى): (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ)، ممَّا يدل على أنَّ الرَّحمة هي إطار كوني شامل يسبق كلَّ علاقة ويحتويها. وهذا لا يُلغي عنصر الخوف من الله (عزَّ وجلَّ)؛ لكنَّه يُعاد تنظيمه داخل منظومة تربويَّة متوازنة، حيث يصبح الخوف دافعًا للسَّير لا عاملَ انقطاع، وتصبح الرَّحمة أساس الاستمرار لا مجرَّد وعدٍ أخروي.

 كما ورد عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) في دعائه: “إلهِي إنْ كانَ قَلَّ زادِي فِي الْمَسِيرِ إلَيْكَ، فَلَقَدْ حَسُنَ ظَنِّي بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْكَ، وَإنْ كَانَ جُرْمِي قَدْ أَخافَنِي مِنْ عُقُوبَتِكَ، فَإنَّ رَجآئِي قَدْ أَشْعَرَنِي بِالأَمْنِ مِنْ نِقْمَتِكَ، وَإنْ كانَ ذَنْبِي قَدْ عَرَّضَنِي لِعِقابِكَ، فَقَدْ آذَنَنِي حُسْنُ ثِقَتِي بِثَوابِكَ، وَإنْ أَنامَتْنِي الْغَفْلَةُ عَنِ الاسْتِعْدادِ لِلِقآئِكَ، فَقَدْ نَبَّهَتْنِي الْمَعْرِفَةُ بِكَرَمِكَ وَآلآئِكَ، وَإنْ أَوْحَشَ ما بَيْنِي وَبَيْنَكَ فَرْطُ الْعِصْيانِ وَالطُّغْيانِ، فَقَدْ آنَسَنِي بُشْرَى الْغُفْرانِ وَالرِّضْوانِ…”، وهو نصٌّ يعكس هذا التَّوازن بين إدراك التَّقصير، وبين الاتِّكاء على سعة الرَّحمة الإلهيَّة، بما يدعم البعد التَّربوي للعلاقة مع الله (تعالى).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى