اخر الأخبارثقافية

“ما لم تكسره النار”.. أعمال خزفية معاصرة تستلهم التأريخ

المراقب العراقي/ رحيم يوسف

من التربة التي نهضت منها زقورة أور، وارتفعت فيها ملوية سامراء نحو السماء، وتألفت فيها مدن الحضارة مثل بابل وأور ونينوى، يستمد الخزف العراقي مادته الأولى، ويؤكد جذوره الممتدة في عمق التأريخ، فالخزف في العراق ليس فناً طارئاً، بل يعد امتداداً حياً لسلسلة حضارية طويلة، من ألواح الطين التي حملت أولى الكتابات المسمارية، إلى الأواني والتماثيل التي شكلت ذاكرة الحياة اليومية والطقوس الجمالية في حضارات سومر وبابل وآشور، ومن تلك الأزمنة السحيقة حتى يومنا هذا، ظل الطين وسيطاً بين الإنسان والأرض، وبين الشكل والروح.

في هذا المعرض، يلتقي الماضي بالحاضر في حوار بصري حي، فالأعمال الخزفية المعاصرة لا تعيد إنتاج التأريخ، بل تستلهمه، وتعيد قراءته برؤية فنية، هذا ما استللناه من كلمة التقديم للمعرض التي كتبها رئيس جمعية التشكيليين سعد العاني لنجعله مقدمة لتعريفنا الأولي بمعرض الخزف السنوي لجمعية الفنانين التشكيليين العراقيين، والقول يمثل روح الحكاية، وأعني الحكاية العامة للمعرض التي تنتظم فيها مجاميع الحكايا التي قصها الخزافون عبر أعمالهم التي غصت بها قاعة العرض. والتي مثلت مختلف المواقف الشخصية على صعيد التجارب ليمنحها مبدعوها طابع التعميم من خلال عملية البث/ التلقي بعد ان أخذت طابعها الجمالي المتميز على صعيد الأشكال المعروضة عبر عملية الترميم التي قامت بها النار، فالنار هنا عبر القصدية المضمرة في العنوان (ما لا تكسره النار) تمارس الفعل الأخير لقصديات الفنان عبر تحويل قدراتها التدميرية وممارستها للفناء وتحويل تلك القدرة باتجاه القيام بأفعال تكميلية أطلقنا عليها عملية الترميم لدورها المعروف في فن الخزف.

الطين هو روح الحكايا ومبتداها ومنتهاها كما يعلم الجميع غير انه يبقى ملازماً لتكوينه الأول دون النار، لذلك كانت النار في هذا المقام تمثل روح الابداع عبر قدرتها على تغيير خواص الطين باتجاه رؤى الفنانين، فضمن حراكها الدؤوب في المساهمة الفعالة في الحراك الفني التشكيلي عراقيا تسعى جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين للقيام بواجبها المعروف عبر إقامة الفعاليات السنوية المدرجة على جدول أعمالها، وبعد النجاح الكبير الذي حققه معرض النحت السنوي الذي أقيم منذ فترة عاودت ذلك النشاط عبر معرضها السنوي للخزف الذي أقيم تحت عنوان (ما لا تكسره النار)، المعرض الذي حضره جمهور كبير من الفنانين التشكيليين وجمع من الصحفيين والاعلاميين يتقدمهم الدكتور جبار جودي العبودي نقيب الفنانين العراقيين والاستاذ سعد طالب رؤوف العاني رئيس جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين والفنان الرائد الدكتور سعد الطائي.

المعرض الذي ضم طيفا واسعا من الخزافات والخزافين الذين تجاوز عددهم الخمسين والذين توزعوا ضمن أجيال فنية متعددة، تنوعت أعمالهم وتقنياتهم كل بحسب قدراته الادائية النابعة من عمله ضمن المسارات الفنية التي تنوعت هي الأخرى لتشكل تنوعاً جمالياً فرض حضوره النوعي بين جمهور التلقي وبما يؤشر عافية هذا الفن النابع من الأصول الحضارة الرافدينية الراسخة في عمق التأريخ والذي يعد امتداداً لهذا التأريخ الجمالي غير المنقطع عبر تلك الأعمال ومبدعيها على حد سواء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى