ما معنى وجود معسكر تدريب للدعم السريع في إثيوبيا؟

بقلم: ثابت العمور..
في فهم معادلات الصراعات الداخلية تتشكل فرضية مهمة جداً مفادها أن الصراع إذا كان بين الدولة -الجيش- وأحد مكوناتها، فإنه لا يمكن أن يستمر من دون حسم لأجل مفتوح، وهذا عين ما حدث في السودان، إذ كيف لم تُحسم المعركة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ أكثر من عامين، وهو ما يعني أن هناك تدخلاً ودعماً ودوراً خارجياً.
فرضية أن هناك أطرافاً خارجيين دخلوا وتدخلوا في مسارات الصراع الدائر في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع منذ نيسان 2023؛ حسم ذلك تحقيق أعدته وكالة رويترز من نيروبي في الـ 10 من شباط 2026، ومفاده أن إثيوبيا تستضيف معسكراً لتدريب آلاف المقاتلين من قوات الدعم السريع، وهو ما يعني أن الصراع الدائر في السودان قد اجتذب إليه أطرافاً إقليميين آخرين من خارجه يدعمون ديمومة واستمرار الصراع.
فجّر التحقيق الذي أعدته رويترز مجموعة حقائق، فهو أول دليل مباشر على تورط إثيوبيا في الحرب الأهلية بالسودان، ثم يتدحرج التحقيق نحو الإمارات في خيط رفيع، مفاده أن تمويل وإمداد المعسكر تقف خلفه الإمارات. ويستنتج التحقيق أن استمرار الصراع لم يكن ليستمر لولا تدخل وتورط أطراف خارجيين، مُستدعياً جملة تساؤلات من بينها لماذا تستضيف إثيوبيا معسكراً لتدريب قوات الدعم السريع؟ وما الذي يعنيه ذلك؟ وما تداعيات ذلك وتبعاته، لا فقط على العلاقات السودانية الإثيوبية، بل على واقع الصراعات الداخلية في القارة الأفريقية؟
أظهر تحقيق رويترز معلومات موثقة قدّمت بالأدلة والصور تفصيلات دقيقة عن تشييد القاعدة والجهة الممولة وعمليات التدريب التي تجري فيها. وتكشف صور الأقمار الاصطناعية موقع المعسكر في منطقة أحراج نائية بمقاطعة “منجي” ويبعد نحو 32 كلم، فقط عن الحدود السودانية، في مثلث جغرافي حساس يربط بين إثيوبيا والسودان ودولة جنوب السودان. وتحدث التحقيق عن دور محوري لمطار “أصوصا”، الذي تحول إلى مركز لوجستي لإمداد المعسكر، إضافة إلى إنشاء منصات تحكم أرضية للطائرات المسيرة، وها ما منح قوات الدعم السريع ميزة العمق الاستراتيجي الذي كانت تفتقده.
وقالت رويترز إنها تحدثت إلى 15 مصدراً مطلعاً على تشييد المعسكر وعملياته، من بينهم مسؤولون ودبلوماسيون إثيوبيون، وتكشفت صورة التقطتها شركة فانتور الأميركية لتكنولوجيا الفضاء في الـ24 من تشرين الثاني 2025 عن أكثر من 640 خيمة في المعسكر، بمساحة تقريبية تبلغ أربعة أمتار مربعة. وبحسب برقية استخبارية إثيوبية مسرّبة، فإن نحو 4300 عنصر كانوا ينهون مراحل تدريبهم المتقدمة في مطلع هذا العام.
وفي جزئية تتجاوز جغرافيا القارة الأفريقية؛ قالت ثمانية مصادر اعتمدها التحقيق، من بينهم مسؤول حكومي إثيوبي كبير، إن الإمارات موَّلت بناء المعسكر وقدمت مدربين عسكريين ودعماً لوجستياً للموقع، وهو ما ورد أيضاً في مذكرة داخلية صادرة عن أجهزة الأمن الإثيوبية وبرقية دبلوماسية اطلعت عليهما رويترز.
وهذا يعني بأن هناك في الباحة الخلفية للصراع الدائر في السودان أطرافاً خارجيين أفارقة وغير أفارقة، وأن ما يبدو كصراع داخلي بين فرقاء السودان هو حرب بالوكالة عابرة لحدود السودان وأفريقيا.
وجود معسكر تدريب لقوات الدعم السريع في إثيوبيا، يعني أن الصراع الداخلي في السودان قد أصبح حرباُ بالوكالة عابرة للحدود، ويعني أن السودان قد أصبح نقطة ارتكاز متقدمة في معادلة الأمن الإقليمي في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وهذه إحدى تبعات الموقع الجغرافي للسودان الرابط بين شرق أفريقيا وشمالها، إضافة إلى حدوده البحرية.
تحقيق رويترز يعني أن هناك دعماً خارجياً غير محدود، ومتداخل في عمق الصراع، ولا يكتفي ولا يستهدف هذا التدخل حسم المواجهة لصالح طرف ما، ولكن من بين مقاصده، إعادة تشكيل النظام الإقليمي في المنطقة، وأن هناك شبكة مصالح ممتدة وعابرة للحدود الأفريقية قد تشكلت على خلفية الصراع الدائر في السودان، والذي بات صراعاً بالوكالة.
تورط إثيوبيا في صراع فرقاء السودان ليس وليد اللحظة التي خرج فيها تحقيق رويترز، ولكن التحقيق يكشف حقيقة مفادها أن إثيوبيا تورطت حد الشراكة والمشاركة، ولم تكتفِ بالدعم غير المباشر والتأييد، كما كانت تفعل من قبل.
وقد بينت مواقف سابقة لإثيوبيا أنها لا تقف على الحياد، ففي تموز 2023 وبعد ثلاثة أشهر من الحرب، قال رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد إن ” السودان يعاني من فراغ في القيادة”، ملوحاً بضرورة فرض حظر طيران وتدخل قوات دولية.
وفي تطور لافت، استقبل آبي أحمد في كانون الأول 2023، قائد قوات الدعم السريع “حميدتي” بمراسم رسمية وحرس الشرف في أديس أبابا، وحرص آبي أحمد بشكل مدروس على نشر صور للقائه مع “حميدتي” والوفد المرافق له حول مائدة طعام. وهو ما فُسر حينها بأن إثيوبيا تمنح “حميدتي” بعضاً من الشرعية.
محددات وجود معسكر تدريب لقوات الدعم السريع في إثيوبيا تعني أن هناك نية إثيوبية لإنهاء ملف الفشقة وحسمه، وهي إحدى أبرز بؤر التوتر بين الخرطوم وأديس أبابا، ويعني أن إثيوبيا تريد تثبيت معادلة سد النهضة في أي مفاوضات مرتقبة، وهذا ممكن ومتاح إذا عطلت إثيوبيا أي تقارب مصري- سوداني.
وبالتالي فإن إلهاء السودان بملف الصراع مع قوات الدعم السريع، يعزز موقع إثيوبيا إذا قررت الذهاب للتفاوض بخصوص سد النهضة. ومن أجل ذلك قطعت إثيوبيا أشواطا كبيرة في تنسيقها مع الدعم السريع ضد الجيش السوداني، وحسمت خيارها بشأن الحرب في السودان.
وتقوم حسابات إثيوبيا هنا على رهان أنه بإمكان قوات الدعم السريع حسم الصراع لصالحها، وحصول ذلك يعني تموضعاً جديداً لإثيوبيا كلاعب إقليمي، ويبدو أن إثيوبيا أسقطت من حساباتها تداعيات الدخول المباشر لعمق الصراع في السودان وما يترتب عليه أفريقياً وعربياً ودولياً.
ما فعلته إثيوبيا ينقل مستوى الصراع من داخل السودان إلى عموم المنطقة الأفريقية، وقد يمتد إلى منطقة الشرق الأوسط، وفي أحد مفاصله، فإنه تعطيل لجهود الوساطة الدولية وتكسير لقاعدة قانونية دولية تجرّم الدول وتحرمها التدخل في شؤون بعضها بعضاً.
ويبدو أن التداعيات قد تدحرجت بالفعل، إذ إن الكونغرس الأميركي دخل على خطوط مخرجات تحقيق رويترز، ويلوّح بعقوبات وتجميد صفقات تسليح طالت الإمارات.
ما جاء في التحقيق من اتهامات سيُفضي إلى تآكل الثقة بين دول الجوار، وينعكس على الأمن القومي في منطقة القرن الأفريقي ويهدد استقرار المنطقة، وسيفتح الباب أمام إعادة التوازنات والاصطفافات، ولا سيما فيما يتعلق بملف المياه عموماً، وسد النهضة على وجه الخصوص. وتدخل إثيوبيا في صراع السودان قد ترده السودان بالتدخل في إثيوبيا من بوابة إقليم تيغراي، وقد يمتد إلى دول مجاورة كالصومال وأريتريا وغيرها من دول تقف على حافة الصراعات.
ختاماً، يكشف تحقيق رويترز أن الصراع في السودان لم يكن ليستمر من دون تدخل ودعم وإسناد وتورط قوى خارجية، ويكشف أيضاً أن ادعاء بعض الدول الحياد لا يعني أنها غير متورطة، ويعني أن منطقة القرن الأفريقي تقف على مفترق تحولات مفصلية ومركزية، ويعني أن هناك تداخلاً ما بين الصراعات الداخلية والمصالح الخارجية، ولا سيما في ملفات المياه والحدود، ويعني أن طموح إثيوبيا ومصالحها قد تُفضي إلى مخاطر وتداعيات انتقال الصراع من داخل السودان إلى خارج حدود القرن الافريقي.



