هل تنجح إيران مجدداً في تحويل التهديد إلى فرصة؟

بقلم: أحمد عبد الرحمن..
واجهت الجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ انتصار ثورتها المجيدة في العام 1979 من القرن الماضي، تهديدات عديدة، وعانت موجات متتالية من الضغوط العسكرية والاقتصادية والاجتماعية، كادت أن تؤدي في بعض مراحلها الحاسمة إلى سقوط النظام الإسلامي، وإلى تفكّك الدولة، وإلى تمكّن أعداء الجمهورية وهم كثر من الحصول على مبتغاهم الذي بذلوا من أجله الكثير من الجهد، وجيّروا في سبيل الوصول إليه كل ما بين أيديهم من إمكانات مادية وتكنولوجية، ومارسوا أنواعاً شتّى من الحروب المباشرة وغير المباشرة، والحروب الهجينة، وفي بعض الأحيان، الحرب عن طريق وكلائهم وأذرعهم المنتشرة داخل الأراضي الإيرانية وفي خارجها.
منذ نجاح الثورة الإسلامية في إيران بإسقاط نظام الشاه، والذي كان يُعتبر أهم أذرع محور الشر في المنطقة، وهذه الثورة تتعرّض لمروحة واسعة من حملات الضغوط القصوى، والتي أدّت إلى مواجهة النظام والشعب في إيران مشاكل عديدة، ولاسيّما على المستوى الاقتصادي، والذي استخدمه أعداؤها ومازالوا كسلاح فتّاك بهدف إسقاط النظام، أو على أقل تقدير جعله منهكاً وضعيفاً ومستنزفاً، وغير قادر على مواجهة ما يتعرّض له من اعتداءات في كثير من الساحات الداخلية والخارجية.
تهديد واجه النظام الإسلامي في إيران، تمثّل في وفاة المرشد الأول للثورة، وقائدها التأريخي روح الله الخميني في الثالث من حزيران من العام 1989، والذي جاء في فترة حسّاسة جداً من عمر الجمهورية الإسلامية، التي كانت قد خرجت لتوّها من حرب قاسية استمرت ثماني سنوات، دفعت فيها إيران أثماناً باهظة، وتعرّضت فيها لاختبارات غير مسبوقة.
للرد على هذا الحدث المفجع بالنسبة لكل أنصار الثورة، ولقطع الطريق على أي تداعيات سلبية قد تنشأ عنه، تم في اليوم التالي لوفاة الإمام الخميني انتخاب رئيس الجمهورية في ذلك الوقت علي الخامنئي مرشداً جديداً، وهو ما أمّن انتقالاً سلساً للسلطة من دون أي معوّقات، إضافة إلى تعديل الدستور، وتعزيز صلاحيات الحرس الثوري الإيراني الذي يُنظر إليه على أنه الجدار الحديدي الذي يحمي الدولة والنظام والشعب من كل الأخطار التي تتهدّدها.
سقوط النظام السوري في كانون الأول من العام 2024 والذي وصفه الكثيرون بـ”النكسة الاستراتيجية” للجمهورية الإيرانية شكّل هو الآخر تهديداً فعلياً لمشروع إيران في المنطقة، والذي كان يعتمد بشكل أساسي على محاصرة الكيان الصهيوني من كل الجهات، والتي كان من أهمها الأراضي السورية، هذا إضافة إلى كون سوريا أحد أهم الممرات البريّة الرابطة بين إيران وبين حلفائها في لبنان وحتّى فلسطين.
في العام الماضي واجهت إيران تهديداً جديداً وحاسماً، إذ تعرّضت لهجوم إسرائيلي واسع صباح الثالث عشر من حزيران استهدف منشآت عسكرية حيويّة، وأدّى إلى سقوط العشرات من الشهداء من خيرة قادتها العسكريين، وعلمائها النوويين، إضافة إلى تدمير العديد من مقرّات القيادة والسيطرة، والدفاع الجوي التابعة للجيش والحرس الثوري في إيران.
هذا العدوان الغادر الذي توسّع لاحقاً ليشهد تدخّلاً أمريكياً مباشراً من خلال استهداف المواقع والمنشآت النووية الإيرانية، ردّت عليه إيران بمزيج من الردود العسكرية والدبلوماسية الواسعة، والتي أفضت بعد اثني عشر يوماً من بدئه إلى التوصل لوقف إطلاق النار في الرابع والعشرين من الشهر نفسه.
عسكرياً، ردّت إيران بصورة فاجأت العدو، وأسقطت ما كان يدّعيه من سيطرة على مجريات المعركة، وضربت في مقتل منظومة دفاعاته الجوية “الأسطورية”، وإلى جانبها منظومات الدفاع الجوي الأمريكية وتلك التابعة لدول إقليمية وعربية، حيث أطلقت أكثر من 550 صاروخاً باليستياً بعيد المدى، وما يزيد على 1000 طائرة مسيّرة انتحارية، استهدفت جميعها مواقع عسكرية وحكومية وبنى اقتصادية في “إسرائيل”، كما قامت باستهداف قاعدة “العيديد” في قطر، والتي تُعتبر كبرى القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، وهو الأمر الذي اعتبره الكثيرون سبباً رئيساً في وقف الحرب.
إلى جانب التهديدات السابقة، واجهت إيران تحدّيات خطيرة في فترات أخرى، مثل اغتيال الجنرال قاسم سليماني قرب مطار بغداد، واستشهاد رئيسها السابق إبراهيم رئيسي في سقوط طائرته المروحية، إضافة إلى ما سبق ذلك من اغتيال العشرات من علمائها النوويين، حيث تعاملت مع جميع تلك الأحداث بالمنطق نفسه الذي سعت من خلاله إلى استيعاب الخسائر وتعويضها قدر الإمكان، ومن ثم الانطلاق نحو استغلال ما جرى من أجل تعزيز قوّتها وحضورها، إلى جانب تطوير وتحديث إمكاناتها في مختلف الصعد والمجالات.
حتى الآن، لا يمكن الجزم بأن التهديدات الأمريكية يمكن أن تتحوّل إلى حرب مباشرة، ولا يمكن الجزم كذلك بحجمها ومداها وانعكاساتها في حال اندلاعها، إلا أنه وبحسب الكثير من التحليلات والمعطيات، فإن فرضية اندلاع الحرب أعلى بكثير من إمكانية التهدئة، وإن كانت هذه الأخيرة واردة وممكنة، في ضوء خشية الكثيرين في المنطقة وحول العالم من تداعياتها.
في ضوء هذه التطورات تتعامل القيادة في إيران بهدوء وحكمة مع كل ما يجري، ولم تقع فريسة للحرب النفسية الهائلة التي تُشن عليها لدفعها نحو خطوات قد تكون انتحارية، وهي تعمل بكل السبل والوسائل السياسية والدبلوماسية لمنع وقوع الحرب، وفي الوقت نفسه، ترفع من درجة الجاهزية القتالية إلى أقصى درجاتها للتعامل معها في حال تفجّرها.
قد يبدو التهديد الحالي الذي تواجهه إيران أصعب مما سبقه، إذ إنه للمرة الأولى يمكن أن تدخل في مواجهة عسكرية من العيار الثقيل مع أقوى دولة في العالم، والتي يمكن أن تتوسع المواجهة معها لتصبح مواجهة إقليمية تشمل معظم جغرافيا الإقليم، مع ما يمكن أن يتبع ذلك من تحركات داخلية تنفذها جماعات مرتبطة بأعداء الثورة كما جرى مؤخراً، وهو ما يمكن أن يهدد استقرار الدولة ونظام الحكم فيها.



