اخر الأخبارثقافية

رواية “ديماس” مزج محكم بين الوثيقة التأريخية والتخييل الروائي

صدر حديثًا عن دار الصحيفة العربية بإشراف السارد عبد الرضا الحميد العمل الروائي الجديد «ديماس» للروائي شوقي كريم حسن، في رواية تُعيد فتح واحد من أكثر الملفات التأريخية إيلامًا في الذاكرة العربية: سجن ديماس، السجن الأشهر الذي ارتبط باسم الحجاج بن يوسف الثقفي، رمز البطش والسلطة الحديدية في العصر الأموي.

وتأتي رواية ديماس بوصفها توثيقًا سرديًا لمواجع الأيام والدهور، حيث لا تكتفي باستحضار الحدث التأريخي، بل تنفذ إلى طبقاته الإنسانية العميقة، كاشفةً عن مصائر البشر الذين طحنهم المكان، وتركوا فيه أصواتهم، وأنفاسهم، وذاكرتهم المكسورة. في ديماس لا يظهر السجن كجدران وأغلال فحسب، بل يتحول إلى كائن حي، يتنفس الخوف، ويتغذى على الصمت، ويعيد تشكيل السجناء نفسيًا وروحيًا. يقدّم الكاتب المكان باعتباره مركز الثقل في الرواية، حيث يصبح الزمن معلقًا، وتتحول الأيام إلى تكرار قاسٍ لا يُقاس بالضوء بل بالألم.

تعتمد الرواية على مزج محكم بين الوثيقة التأريخية والتخييل الروائي، فتستند إلى ما ورد في المدونات التأريخية عن سجن ديماس، لكنها لا تتوقف عند حدود النقل، بل توسّع المشهد عبر شخصيات متخيلة تمثل أنماطًا إنسانية متعددة: الثائر، العالم، الشاعر، السجين المجهول، والجلاد الذي لا يملك خلاصه الخاص.

ويبرز في النص حضور الحجاج لا بوصفه شخصية مباشرة دائمًا، بل كـ ظل ثقيل، سلطة غائبة-حاضرة، يُشعِر الجميع بسطوته حتى في لحظات الصمت. تتميّز ديماس بلغة كثيفة، مشحونة بالدلالة، تميل إلى الاقتصاد والصرامة حينًا، وإلى الانفجار الشعوري حينًا آخر. لغة تُحاكي القيد، وتكتب بوعيٍ عميق بفكرة القهر، والنجاة، والانكسار الذي لا يُشفى بالكامل. الرواية ليست سردًا عن الماضي فقط،

بل مرآة للراهن؛ إذ تطرح أسئلة السلطة، والعدالة، وثمن الكلمة، ومعنى الصمود في وجه آلة لا ترى الإنسان إلا رقمًا.يُعد صدور ديماس إضافة لافتة إلى الرواية العربية المعاصرة، خاصة في مجال الرواية التأريخية ذات البعد الإنساني، حيث تنجح في تفادي المباشرة والخطابة، لصالح بناء فني متماسك، يراهن على القارئ الواعي، ويمنحه تجربة قراءة ثقيلة، مؤلمة، لكنها ضرورية.

ديماس ليست رواية عن سجنٍ اندثر، بل عن سجون تتناسل في الذاكرة، وعن بشرٍ كتبوا أسماءهم على الجدران ثم اختفوا، وبقيت حكاياتهم تنتظر من يُنصت.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى