اراء

أوروبا أمام اختبار الاستقلال الاستراتيجي

بقلم: ليلى نقولا..

أثار خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في منتدى دافوس، موجة جديدة من القلق لدى الحلفاء الأوروبيين، بالرغم من تأكيده على أنه لا ينوي الاستحواذ على غرينلاند بالقوة العسكرية، وأنه لم يفكر في ذلك. ورحب وزير الخارجية الدنماركي بتراجع ترامب عن التهديد باستخدام القوة، لكن الواضح من خطاب ترامب ككل أنه ما زال يرى في غرينلاند مصلحة أميركية، وهدفاً استراتيجياً، وأنه سيستمر بالضغوط المتنوّعة على الأوروبيين للاستحواذ على الجزيرة.

وبالرغم من الكلام الجارح الذي ساقه ترامب للأوروبيين، ووصفهم بـ”الأغبياء”، وتنمّره على الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون و”نظاراته”، اختار الأوروبيون الصمت، والتركيز على ما يمكن فعله على مستوى الاتحاد لبحث التهديدات المتعلقة بغرينلاند.

يمكن قراءة سلوك الرئيس ترامب تجاه الأوروبيين، خصوصاً في ملفات مثل غرينلاند وقبلها الاتفاق التجاري الذي فرضه على الاتحاد ووقّعته رئيسة المفوضية أورسولا فان ديرلاين، من زاوية فهمه للواقع الأوروبي.

يستخدم ترامب التصريحات الحادة، والتهديدات الاقتصادية والسياسية، لأنه يدرك ضعف القدرات الأوروبية، وعدم قدرتها على المواجهة أو الاستقلال الاستراتيجي عن الولايات المتحدة، ما يجعله قادرًا على الضغط سياسياً من دون مواجهة حقيقية.

وعلى هذا الأساس، تطورت مطالبه من الاقتصاد والتجارة إلى طرح فكرة الاستحواذ، أو الضغط على الدنمارك للحصول على غرينلاند، لأنه يدرك تماماً أن أوروبا لا تستطيع مواجهة أي تهديد طويل الأمد.

وطالما شكلت أوروبا قلب التحالف الغربي، لكنها خلال العقود الأخيرة اعتمدت بشكل متزايد على الولايات المتحدة في قضايا الأمن والدفاع. وبعد تصاعد المخاطر الجيوسياسية في العقد الأخير، خصوصاً مع اندلاع الحرب في أوكرانيا، انكشفت حدود قدرات الاتحاد الأوروبي في مواجهة النزاعات الطويلة ذات الكلفة العالية.

وهكذا، بتنا نسمع على لسان أكثر من مسؤول أوروبي، الدعوة إلى الاستقلال الاستراتيجي، وهي دعوة كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد وجّهها إلى المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل عام 2017.

حينها، رفضت ميركل، قائلة: “لقد نشأنا على فكرة أنَّ الولايات المتحدة أرادت أن تكون قوة عالمية. إذا رغبت الولايات المتحدة الآن في الانسحاب من هذا الدور بإرادتها الحرّة، فسنضطرّ إلى التفكير ملياً في ذلك“.

ماذا يعني الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي؟

الاستقلال الاستراتيجي يعني قدرة الاتحاد الأوروبي على اتخاذ قرارات أمنية وعسكرية مستقلة، وحماية مصالحه الوطنية والدولية، من دون الاعتماد الكلي على القوى الخارجية، ولا سيما الولايات المتحدة.

وتقنياً، يعني الاستقلال الاستراتيجي قدرة الاتحاد على تفعيل “دورة دفاعية كاملة” تبدأ من استقلال القرار السياسي، وامتلاك منظومات ردع تقليدية ونووية (فرنسية) مستقلة، وصولاً إلى تأمين سلاسل التوريد للصناعات العسكرية.

إلا أن المشهد الراهن يكشف عن ثلاث فجوات هيكلية تعيق هذا الطموح:

1. معضلة التصنيع الكمي: في حين تكيّف الاقتصاد الروسي وانتقل إلى “اقتصاد الحرب”، لا تزال المصانع الأوروبية تعاني من بطء في وتيرة الإنتاج، ما يجعلها غير قادرة على خوض “حرب استنزاف” طويلة الأمد من دون المظلة اللوجستية الأميركية.

2. التبعية التكنولوجية: تعتمد أنظمة الدفاع الجوي والقيادة والسيطرة الأوروبية على الأميركيين. لذا، إن أي محاولة للاستقلال ستعني تقنياً “العمى الاستراتيجي” أقلّه مرحلياً.

3. تآكل المخزونات: إن استنزاف المخزونات العسكرية لدعم الجبهة الأوكرانية خلال الأعوام الماضية خلق فراغاً دفاعياً في قلب القارة. أدّت الحرب في أوكرانيا إلى انكشاف نسبي للاتحاد، حيث كُشفت الهشاشة الأمنية الأوروبية واعتمادهم بشكل مفرط على المظلة الأمنية الأميركية، واستنزف مخزونهم العسكري الاستراتيجي.

ما سبق، يجعل أوروبا -واقعياً- أقل قدرة على الاستقلال الاستراتيجي مرحلياً، أو حتى مواجهة رغبة ترامب في الاستحواذ على غرينلاند ولو بطريقة غير عسكرية. ومن غير المتوقع أصلاً، أن تحصل مواجهة بين دول “الناتو” أو بين الأوروبيين والأمريكيين. وعليه، تبدو أزمة غرينلاند انعكاساً واضحاً للفجوة الهيكلية في القدرات الأوروبية أمام الضغوط الأميركية.

بالنتيجة إن هذه الهشاشة تطرح سؤالًا جوهريًا حول مستقبل التحالف الغربي ومكانة أوروبا فيه. وإلى أن تتحقق هذه القدرات الذاتية (وهي صعبة التحقق في المدى المنظور)، ستظل أوروبا، رغم قوتها الاقتصادية والسياسية، رهينة التأثير الأميركي في صياغة أمنها واستراتيجيتها الدولية. ولا شكّ، أن القوة الاقتصادية” الحالية للاتحاد الأوروبي لا تبدو كافية لحماية مصالحه الجيوسياسية في عالم يتجه نحو عسكرة العلاقات الدولية.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى