اراء

ما الذي ينتظر سكان غزة من المرحلة الثانية لاتفاق التهدئة؟

بقلم: أحمد عبد الرحمن..

تنتاب معظم أهالي قطاع غزة حالة من الشك وعدم اليقين بُعيد إعلان المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف عن دخول المرحلة الثانية من اتفاق التهدئة في القطاع حيّز التنفيذ، حيث ترافق ذلك مع الإعلان عن تشكيل “مجلس السلام” برئاسة الرئيس الامريكي، إضافة إلى لجنة إدارة غزة برئاسة الدكتور علي شعت.

وتسود بين السكان الذين اكتووا بنار الحرب والعدوان طوال عامين كاملين، حالة من القلق والخوف مما هو آتٍ، ولا سيّما في ظل إصرار العدو الصهيوني على استمرار العدوان بأشكاله كافة، إذ ارتكب بعد توقيع الاتفاق في العاشر من تشرين الأول من العام الماضي وحتى يومنا هذا آلاف الخروقات، ومارس كل أشكال القتل والهدم والحصار، بل وزاد من وتيرة خروقاته بشكل ملموس بعد الإعلان الأمريكي المشار إليه أعلاه، حيث نفّذ عمليات اغتيال في خان يونس والنصيرات وغزة، واستمر في ممارسة هوايته في تدمير ما تبقّى من بيوت خلف الخط الأصفر، بل إنه قام بتحريك حدود هذا الخط باتجاه الغرب مرة أخرى، وهذه المرة في منطقة شمال القطاع بعد أن فعل ذلك في خان يونس وغزة، موسّعاً منطقة سيطرته الأمنية إلى مديات تخالف ما نصّ عليه اتفاق التهدئة، وهو ما يهدد لاحقاً بتفريغ هذا الاتفاق من مضمونه بشكل قد يؤدي إلى تآكله وربما انهياره.

 وعلى الرغم من مرور أكثر من ثلاثة أشهر على توقيع الاتفاق، إلا أنه لم يشهد الكثير من التغيّرات التي كان ينتظرها الفلسطينيون على أحرَّ من الجمر، وكانوا يراهنون على الحصول ولو على جزء منها بعد وقف الحرب بصورتها الشاملة ودخول الهدنة مرحلتها الأولى، إذ عرقل الاحتلال تنفيذ معظم بنود الاتفاق، وضرب عُرض الحائط بكل ما نص عليه، بل إنه حاول وما زال استغلال الاتفاق لتحقيق ما فشل فيه أثناء القتال، وخصوصاً فيما يتعلّق باستكمال إقامة المنطقة العازلة في المناطق الشمالية والشرقية من قطاع غزة، إضافة إلى تثبيت دعائم وجوده في مدينة رفح ،وهو بذلك يقوم من دون إعلان مباشر بفرض سيطرة عملياتية كاملة ومطلقة على أكثر من نصف مساحة القطاع، ودافعاً أكثر من مليونين وربع المليون إنسان للعيش في منطقة لا تتجاوز مساحتها 360 كيلومتراً مربعاً، وهي تفتقر، إضافة إلى صغر حجمها، إلى معظم الخدمات الأساسية والبنى التحتية، وتكاد تتحوّل إلى سجن كبير يُحشر فيه الفلسطينيون في ظروف قاسية ومجحفة.

في قطاع غزة ينتظر الناس تغييراً حقيقياً في عدّة ملفات، وهي تُعنى في الأساس بكل ما يتعلّق بحياتهم من مختلف جوانبها، وهي الحياة التي يأملون أن يعيشوها بأمن وسلام على أرضهم كباقي شعوب العالم.

أول هذه الملفات وأكثرها أهمية، هو وقف كل أشكال العدوان التي يرتكبها العدو الصهيوني صباح مساء، وفي المقدمة منها وقف كل عمليات القتل، سواء المباشر من خلال عمليات الاغتيال التي تجري بين الفينة والأخرى، أم تلك التي تقع نتيجة القصف العشوائي الذي يحصل من الطائرات الحربية أحياناً، ومن مدفعية الاحتلال في أحيان أخرى.

هذه العمليات التي تخالف بشكل واضح اتفاق وقف إطلاق النار أسفرت منذ العاشر من تشرين الأول من العام الماضي، أي منذ دخول الاتفاق حيّز التنفيذ، عن سقوط أكثر من أربعمئة وثلاثين شهيداً، إضافة إلى مئات الجرحى والمصابين، وهو عدد مرشّح للارتفاع في ظل عدم توقّف هذ العمليات التي جرى معظمها خارج الخط الأصفر وبعيداً عنه.

إلى جانب وقف عمليات القتل، يتطلّع المواطنون كذلك إلى وقف عمليات النسف والتدمير التي تستهدف ما تبقّى من بيوت شرق الخط الأصفر، والتي بلغت منذ اتفاق التهدئة أكثر من 2500 بيت، بحسب أحدث التقارير الإعلامية، هذا إضافة إلى عشرات البيوت الأخرى التي تُدمَّر في عمليات القصف التي تجري في عمق القطاع .

ثاني الملفات هو انسحاب قوات الاحتلال من المناطق التي ما زالت تسيطر عليها شمال وشرق وجنوب القطاع، وهي المناطق التي تقع داخل ما يُسمّى “المنطقة الصفراء”، والتي تشكّل حوالى56% من إجمالي مساحة قطاع غزة، إذ يسيطر الاحتلال حالياً على كامل مدينة رفح، إضافة إلى أكثر من نصف مدينة خان يونس، حيث تصل حدود انتشاره إلى عمق ستة كيلومترات من الشرق باتجاه الغرب، أما في المنطقة الوسطى فينحصر هذا الانتشار إلى أقل من كيلومتر ونصف باتجاه المناطق الشرقية من مخيمي البريج والمغازي وشرق دير البلح، إلا أنه يعود للتوسّع في مدينة غزة، حيث يصل في منطقة التفاح شمال شرق المدينة إلى شارع صلاح الدين، أي بعمق ثلاثة كيلومترات تقريباً، وهو الأمر الذي يتكرر في حيّي الشجاعية والزيتون، الذي يصل تمدد الاحتلال فيهما إلى شارع السكّة، ومنطقة سوق الجمعة، وهو لا يبتعد سوى أقل من مئة متر عن شارع صلاح الدين، أهم شوارع القطاع وأكثرها حيويّة.

ملف ثالث ينتظره الفلسطينيون بلهفة وشوق أيضاً، وهو ملف إعادة الإعمار وصرف التعويضات، إذ إن ما دمّره الاحتلال من منازل ومنشآت وبنى تحتية طوال فترة الحرب قد فاق الثمانين بالمئة، وهو ما حوّل قطاع غزة او ما تبقّى منه إلى منطقة مدمّرة وغير صالحة للسكن، فلا منازل صالحة تؤوي الناس، وما تبقّى منها يسقط في كثير من الأحيان نتيجة المنخفضات الجوية ويؤدي إلى استشهاد المزيد من المواطنين كما جرى مؤخراً، ولا مؤسسات صحية أو تعليمية أو خدمية تقدم ما تيسّر من خدمات هم في أمسّ الحاجة إليها.

رابع الملفات ذات الأهمية الاستثنائية هو فتح معبر رفح، إذ يشكّل الإغلاق المستمر لهذا المعبر الوحيد الذي يصل قطاع غزة بالعالم الخارجي كارثة بكل ما للكلمة من معنى، فهو إلى جانب منع آلاف المواطنين من السفر إلى الخارج لتلقّي العلاج الطبي، فيما آخرون يسعون للالتحاق بالجامعات التعليمية المختلفة، فإنه يُعتبر شريان الإنقاذ الأساسي لدخول المساعدات الغذائية والدوائية، وباقي المساعدات الإنسانية، والتي من دون فتح المعبر تبقى رهينة للابتزاز الصهيوني الذي يتحكّم في دخولها بالكميات والنوعيات التي يريد من خلال معبر كرم أبو سالم، حيث يمنع دخول أكثر من ثلاثمئة صنف مما يحتاجه قطاع غزة من مستلزمات تجارية وصحية، بحجة الاستخدام المزدوج، إضافة إلى تخفيضه عدد شاحنات المساعدات الإنسانية المنصوص عليه في اتفاق التهدئة إلى أقل من الربع، وهو في ذلك يستخدم التجويع كسلاح يشهره في وجه الفلسطينيين.

على كل حال، ما يشغل بال الفلسطينيين في قطاع غزة كثير، وهم ينتظرون بكثير من القلق والتشكيك ما قد يحدث خلال الفترة المقبلة، ولا سيّما أن الاحتلال يعلن في كثير من الأحيان عدم التزامه بالعديد من بنود اتفاق التهدئة، وهو يواصل بالفعل القيام بهذا الأمر، إذ إنه يواصل خروقاته من دون أن يُلقي بالاً للعديد من المطالبات والمناشدات المتعلقة بذلك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى