اراء

أسئلة معلّقة على حافة الصدفة

بقلم: يسري الغول..

وصلت إلى مكتبي متأخّراً، كان الباب مفتوحاً، فأدركت أنّ أحد الزملاء الذين لا أعرفهم بعد، جاء مبكراً، دخلت فوجدته يتحدّث عبر الهاتف، أشرت بيدي إليه مرحّباً، ثمّ بهدوء قمت بإخراج جهاز اللابتوب، وبدأت بترتيب الأوراق على الطاولة.

وحين انتهى من محادثته الطويلة سلّمت عليه، تحدّثنا في كلّ شيء، ثمّ قرّرنا الذهاب إلى الكافتيريا لشرب القهوة، وهناك صار الحديث أقرب إلى الصداقة منه إلى الزمالة، حدّثني عن زوجته وأطفاله، عن عمله السابق وأشياء كثيرة لا أذكرها الآن.

وخلال الحديث سألته عن عمره، فقال: “ربما خمسة وأربعون، ستة وأربعون، أكثر من ذلك، لا يعرف لأنه لا يهتمّ بالعمر”، لكنّ الفضول لكلّ تلك التجارب دفعني لأسأله عن أيّ شهر جاء فيه زميلي إلى الدنيا، فقال في آب، ولأنني مواليد ذلك الشهر، سألته عن اليوم، فقال الخامس عشر، صدمتني الإجابة، لذا سألته عن العام، فقال إنه مواليد 1980، لحظتها ظننت أنه يمازحني لأنّ بيانات الموظفين موجودة في موقع الجامعة التي نعمل فيها، فذلك التأريخ هو تأريخ ميلادي.

أخبرت “أدريان” أنه تأريخ ميلادي، لم يصدّق فأخرجت له جواز سفري، وقام بإبراز بطاقة الإقامة التي في جيبه، كان التأريخ متطابقاً، في صدفة قلما تحدث. لذلك راودتني أسئلة كثيرة سألتها لزميلي المرح: ماذا لو ولد في غزة وولدت أنا في فرنسا، حيث أنه مواليد فرنسا وليس سويسرا؟ هل سيكون كما يسري الآن؟ وهل سأكون أدريان؟ وأيقنت أنني حتى لو ولدت في أيّ مكان آخر، لن أكون ذلك الشخص الذي أنا عليه اليوم؟ وكذلك زميلي الذي لن يكون يسري بأيّ حال.

لحظتها تذكّرت جملة للراحل زياد رحباني عن الصراع النفسي لأيّ إنسان، حيث يولد في مكان أو زمان أو دين لا يعرفه، لا يختار اسمه أو وطنه أو مذهبه أو دينه ثم يظلّ يقاتل لأجل تلك الأشياء التي لم يخترها بنفسه… وهنا كان لا بدّ من طرح الأسئلة، الأسئلة التي لا تنتهي: لماذا نقاتل؟ وعلى ماذا يقتل الإنسان أخاه؟ ماذا لو ولد المتطرّف لدين أو مذهب في مكان آخر، وفي بيئة مختلفة ولأبوين من غير الدين الذي ينتمي إليه الآن؟ كيف سيكون سلوكه تجاه أعداء أو أصدقاء اليوم؟

وقد وصلت إلى رسالة مُفادها أنّ الفقر يدفع إلى كلّ الشرور، حيث إنّ بلدان العالم الثالث تغوص في الجوع والتشرّد فيدفعها ذلك إلى التطرّف بشكل أكثر عنفاً وهمجيّة، وفي هذا السياق أيضاً سألت رفيقي: من الذي قرّر أن نكون “بلدان العالم الثالث”؟ وبأيّ حقّ يمتلك الاستعمار تصنيف البلدان؟ وهل نحن بالفعل بلدان العالم الثالث المتخلّف وهم بلدان العالم المتحضّر؟

ثمّ ماذا لو لم تأتِ جيوش الاستعمار من الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا لتحتلّ بلداننا العربية الممتدة؟ وتحتلّ القارة السمراء أيضاً؟ كيف سيكون حال الأمّة العربية إن لم يكن هناك استعمار يحكم ويستغلّ مقدّرات الشعوب؟ ماذا لو لم يكن هناك رجال يدينون بالولاء للاستعمار؟ يحافظون على مناصبهم بمزيد من الخنوع والتبعيّة وتقديم مقدّرات الشعوب وخيرات الأرض للمستعمر البعيد، بعد قدرته على غزو الأمة فكرياً ومعرفياً أيضاً؟

كان مجرّد الحديث مع صديقي فاتحة لأسئلة لا يمكن لها أن تنتهي، وقد أخبرته أنّ العربي ذكي جداً، ويمتلك من المهارات ما يؤهّله لأن يقود العالم إلى الأمام، بلا طموح جيوسياسي لاحتلال أيّ أرض، فهو مؤمن أنّ رسالة السلام أعظم غزو يمكن أن يتحقّق من خلاله بناء الحضارة التي ضاعت من التبعيّة العمياء، مسلّطاً الضوء لاحقاً على “دولة” الاحتلال، حيث إنّ وجود “إسرائيل” رهينة بالوظيفة التي تؤدّيها في المنطقة، من ابتزاز الأنظمة والشعوب، وتطويع أجهزة المخابرات العربية لتصير جندياً يأتمر بقرار القائد الأعلى في بلاد الثلج.

وفي المقابل، ما يجري اليوم في إيران يؤكّد أنّ الاستعمار لا يرغب بنجاح أيّ أمّة عربية أو إسلامية طالما أنها تغرّد وحيدة عن سرب التبعيّة، مهما اتفقنا أو اختلفنا مع تلك الجمهورية وسياسة نظامها الحاكم، لأننا بالمقارنة مع الحالة الفلسطينية، وتبعيّة العالم للاحتلال الإسرائيلي، وصمته على الجرائم التي يرتكبها ليل نهار في قطاع غزة، ندرك أنّ ازدواجية المعايير لن تتوقّف، وأنّ كلمة من الأنظمة العالمية قادرة على إدخال الكرفانات بعد ساعة فقط من أيّ مؤتمر.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى