اراء

إيران كمفصل دولي.. الانهيار في مكان آخر

بقلم: نور الدين اسكندر..

لم يعد هناك مجال للشك في أن ما نشهده اليوم هو اللحظات الفاصلة من تأريخ النظام الدولي، حيث تكتسب الأحداث أبعاداً أكثر سعة وشمولاً من كونها مجرد وقائع متتابعة، لتتحول إلى إشارات كاشفة لمسارات أبعد وتأثيرات أعمق، خصوصاً أن شبه إجماعٍ بات حاضراً في مجتمع علماء السياسة حول فكرة أن النظام العالمي مات، وأن ولادة نظام جديد تؤخرها صراعات غير مكتملة، ومعطيات غير يقينية، مع دخول التطور التكنولوجي كسيل جارف على محددات فرص كل قوةٍ من القوى الكبرى المتصارعة على تشكيل ذلك النظام الجديد.

وهكذا، تكون الأحداث التي تشهدها إيران مفصلاً ومفترق طرق في تتبع منحى النظام الدولي المتشكل، بعد أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تنصيب نفسه حاكماً لفنزويلا، الدولة التي خطف رئيسها المنتخب، وتجاهل نظامها السياسي القائم بكل مقوماته ومؤسساته وقواه.

وما نشهده اليوم حول إيران لا يمكن اختزاله في أزمة حول برنامج نووي أو آخر صاروخي، ولا في صراع إقليمي تقليدي، بل هو تعبير مكثّف عن لحظة اختناق بنيوي يعيشها النظام العالمي، حيث تتقاطع الطاقة مع الجغرافيا، والاقتصاد مع الأمن، والسياسة مع منطق القوة العارية.

الأحداث المتسارعة جعلت من إيران محور الملف الدولي الأكثر حساسية في هذه المرحلة. هي بالتأكيد دولة متمردة على الهيمنة الأميركية غير المشروعة على النظام الدولي، لكنها ليست الوحيدة أيضاً، وهي ترى الدول تتلقى تباعاً سياط إمبراطور العالم المهووس بالقوة، لكنها تقف اليوم عند تقاطع خطوط الصراع الكبرى، التي يمثلها صراع تجديد الهيمنة الأميركية، وصعود الصين، ومحاولة روسيا تثبيت موقعها كقوة كبرى، وانهيار منظومة الضبط التي حكمت العلاقات الدولية منذ نهاية الحرب الباردة. في هذا السياق، يصبح كل تحرك تجاه طهران فعلاً ذا دلالات تتجاوز حدودها الجغرافية.

خيال الترامبية الهتلرية

منذ عودة ترامب إلى واجهة القرار، بدا واضحاً أن واشنطن تخلّت نهائياً عن منطق الإدارة البطيئة للأزمات، أو تلك الناعمة المتحايلة على الدول والقوانين الدولية، والتي كان نظام تغليف المشروعات الاقتصادية-السياسية لديها أكثر أقسام إدارة الاستيلاء على الموارد نشاطاً. اليوم أقفلت واشنطن هذا القسم، وهي لا تريد تغليف مشروعاتها للدول بأية ورقة هدايا براقة، بل إنها انتقلت إلى سياسة الصدمات المتتالية التي تطرح على الدول مشروعاتها كصك استسلام لا كهدية، كما درجت نظرية القوة الناعمة لسنوات طوال.

الآن، إدراج غرينلاند وإيران، بعد فنزويلا، في سلّة الضغوط القصوى، يعكس ذهنية رئيس يميل إلى الحسم الخشن والمباشر، مستفيداً من الميزة التفاضلية العليا للأسلحة الأميركية، وهو يكشف عن تصور استراتيجي يرى العالم كساحة واحدة مترابطة. ثم يرى أقاليمه كقطع استثمار عقاري، مفصولةً عن إرادات الشعوب وتأريخها وحقوقها القانونية أو الإنسانية، حيث يمكن نقل الضغط من مسرح إلى آخر لتحقيق هدف واحد هو إعادة فرض الهيمنة الأميركية بأقل وقت ممكن وبسرعة.

الاحتمالات المرجحة

في قلب هذا المشهد، تبقى إيران حالة مفتوحة على كل الاحتمالات. حتى اللحظة، تتأرجح السيناريوهات بين اندفاعة إسرائيلية نحو عدوان مباشر، مدفوعة بعقيدة أمنية ترى في اللحظة الراهنة فرصة تأريخية، وبين ضغط أميركي أقصى يسعى إلى انتزاع اتفاق جديد بشروط إذعانية، تُعيد إيران إلى موقع الدولة المنضبطة بالكامل بالإرادة الأميركية. لكن المؤكد أن تكرار “الضربات المحسوبة” انتهى، وانتهت محلها المحاولات الفاشلة كتلك التي حاولت فيها الدولتان إسقاط النظام في إيران خلال شهر حزيران- الماضي. فلا إيران، ولا الساحات الشريكة لها، ولا حتى الولايات المتحدة نفسها، قادرة على إدارة مواجهة محدودة بلا ارتدادات كبرى.

غير أن قراءة المشهد من زاوية عسكرية فقط تبقى ناقصة. فالأبعاد الأعمق للأزمة الإيرانية تتصل بما هو أبعد من الصواريخ والمنشآت النووية. وهنا يقدم ما جرى في فنزويلا مفتاحاً أساسياً لفهم السياق العام.

بعد اعتقال الرئيس مادورو، وإعلان واشنطن نيتها بيع النفط الفنزويلي في الأسواق العالمية وتوظيف عائداته وفق رؤيتها، بدا واضحاً أن الخطوة تتجاوز فنزويلا، لتطال مصالح بكين وموسكو أيضاً. فالدولة النفطية التي تختزن أكبر احتياطي في العالم شريك استراتيجي للصين وروسيا في نصف الكرة الغربي، ومصدر مهم للطاقة خارج السيطرة الأميركية المباشرة.

إيقاف الصين، أو على الأقل كبح اندفاعها، لا يمكن أن يتم عبر المواجهة العسكرية المباشرة الآن، بل عبر خنق مصادر الطاقة والتحكم في خطوط العبور. من هنا، تتكامل خطوات ترامب بعضها مع بعض، وهي السيطرة على قناة بنما وإجبارها على فكّ عقود الشركات الصينية، وإحكام القبضة على النفط الفنزويلي، والضغط على غرينلاند بوصفها بوابة طريق الشمال، ثم الانتقال إلى إيران التي تمثل في آنٍ واحد مصدراً للطاقة، وعقدة استراتيجية تتحكم في مضيق هرمز، وبشكلٍ غير مباشر في مضيق باب المندب عبر شركائها اليمنيين الذين تجرأوا على ضرب حاملة الطائرات الأميركية قبل أشهر قليلة.

الصورة الكبرى

عند جمع هذه العناصر، تتضح الصورة الكاملة التي تقول إن بنما، وغرينلاند، وهرمز، وباب المندب والسويس… هي النقاط الخمس التي تتحكم في معظم حركة التجارة العالمية. وبموازاتها، فنزويلا، وإيران، والسعودية تشكل أعمدة أساسية في منظومة إنتاج النفط واحتياطياته. والسيطرة أو التأثير الحاسم على هذه العقد يعني امتلاك قدرة غير مسبوقة على الضغط على الاقتصاد العالمي، وعلى إعادة رسم خريطة التحالفات.

وفي حال نجاح هذا المشروع، ستجد دول العالم نفسها أمام خيار قاسٍ بالاصطفاف إلى جانب طرف واحد: إما واشنطن أو بكين. وفي مثل هذا المناخ، تتعاظم فرص الإذعان أو الفوضى، تحت وطأة الخوف من العقوبات أو التهديد العسكري. التجارب السابقة، من فنزويلا إلى غيرها، تُستخدم كنماذج ردعية لإقناع الآخرين بكلفة التمرّد. لكن هذا المنطق يفترض أن تكون الدول المستهدفة عاجزة عن الرد المؤلم، وهو ما لا ينطبق على إيران بأي حال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى