اراء

العقيدة الأمنية وتنظيم القوة.. لماذا يُعدّ الحشد الشعبي الوريث الشرعي لسلاح المقاومة؟

بقلم: محمد الخزاعي..

على منصة “الترند” وتصفية الخصوم بتفعيل سياسة الضغط الأقصى؛ تعود إلى الواجهة مجدداً دعوات ما يسمّى “حصر السلاح بيد الدولة” بوصفها عنواناً سياسياً وإعلامياً واسع التداول، أُعيد تفعيله كنتيجة غير مباشرة لمشهد المتغيرات الجيوسياسية التي شهدتها المنطقة عقب أحداث 7 أكتوبر وحرب 12 يوماَ، لكنه في الواقع، عنوان تُلفّعه عن عمد التباسات متعددة الدلالات والغايات والنتائج، ويفتقر غالباً إلى التحديد الدقيق لمضمونه التنفيذي، وبخاصة أنّ الإشكالية لا تكمن في المبدأ النظري لحصرية السلاح، بل في السؤال الجوهري: أيّ دولة؟ وأيّ مؤسسة؟ وبأيّ فلسفة أمنية تُدار القوة العسكرية في العراق بالمرحلة المقبلة؟.

فحينما يطالب بعض قادة الحشد أو الفصائل بحصر السلاح في يد الدولة، فإن الإشكال يبدأ من تعريف “الدولة” نفسها. هل المقصود حصر السلاح بوزارتي الدفاع والداخلية وفق النموذج التقليدي للجيوش النظامية؟ أم المقصود حصره ضمن المؤسسات الرسمية التي ثُبتت بقانون وفي مقدمتها هيأة الحشد الشعبي؟ بوصفها جزءاً أصيلاً من المنظومة الأمنية العراقية؟ هذا التفريق ليس لغوياً أو منحنى تنظيرياً في إطار الاستهلاك؛ بل هو فارق استراتيجي، لأن تحويل النقاش من “تنظيم القوة” إلى “تفكيكها” يعني عملياً القبول بإضعاف أحد أهم عناصر الردع الوطني-الذي يمثل الحالة الجهادية الشعبية، وهو ما لا يمكن فصله عن ضغوط خارجية واضحة تسعى لإعادة صياغة المشهد الأمني العراقي بما يخدم توازنات إقليمية لا مصلحة للعراق فيها، إلا من قبضة التشبث بالتحاصص والمكاسب من بوابة المناصب، والوصاية التي جربوا وصفتها في دول معينة لن تنفع مع العراق وشعبه.

إنّ تحوّل الحشد الشعبي من ضرورة وجودية إلى ركيزة دولة لم يأتِ من فراغ، ولم يكن مشروعاً سياسياً لمجموعة تبحث عن نفوذ، بل جاء استجابة لانهيار الدولة نفسها عام 2014، وأنّ الفتوى المباركة التي أسسته؛ لم تكن بديلاً عن الدولة أيضاً، بل كانت الوسيلة الوحيدة لإنقاذها، وكنتيجة حتمية لتنظيم القوى ورغم أنف الضغط الدولي تحوّل الحشد لاحقاً إلى مؤسسة رسمية بقانون نافذ، يخضع للقائد العام للقوات المسلحة، ويموّل من الموازنة العامة، وبذلك أصبح سلاحه سلاح دولة بحكم القانون والدستور، لا سلاح فصيل أو جماعة، وأية مقاربة تتجاوز هذه الحقيقة، أو تتعامل مع الحشد بوصفه عبئاً يجب التخلص منه، إنما تنطلق من حسابات سياسية ضيّقة، لا من قراءة واقعية للأمن الوطني- القومي.

أما إذا كانت (الفصائل) المقصود من جعجعة “حصر السلاح”؛ فإن الحشد الشعبي هو الوريث الشرعي لسلاحها، الذي يعتز به 45 مليون عراقي، لأنه تحوّل من المقاومة إلى المؤسسة، وبخاصة أنّ الفصائل حملت السلاح بعد 2003 لا ترفاً أو رغبة في فرض أمر واقع، بل لأن الدولة كانت محتلة، ومؤسساتها منهارة، والتهديدات الوجودية كانت حاضرة فحملت شرف: مواجهة الاحتلال الأمريكي حين كانت السيادة منزوعة، وقاتلت القاعدة عندما كانت الأجهزة مخترقة، وتصدت لداعـش حين سقط ثلثا العراق بيد الإرهاب الذي صنعته مطابخ ذلك الاحتلال باعترافه.

التأريخ القريب في المنطقة يعلّمنا درساً بليغاً بأن الدول لا تسقط فقط تحت ضربات العدو، بل حين تفرّط بنقاط قوتها مقابل مكاسب آنية، وبالتالي فإن سلبية خطاب “نزع السلاح” في ظل تهديدات قائمة، لا يمكن فصله عن الذاكرة المؤلمة للانكشاف، وفي كل مرة جرى فيها تفكيك قوة من دون بديل ردعي حقيقي، كانت النتيجة فراغاً ملأته التنظيمات الإرهابية، وإذا التفتنا صوب سوريا الجريحة نلاحظ تصاعد التهديد التكفيري من تلك الجغرافيا، وبذلك يُصبح الحديث عن نزع السلاح أو تذويب الحشد مقامرة غير محسوبة ودعوة صريحة للخطر أن يدخل حدودنا.

فسوريا اليوم درس حيّ لمن يريد أن يتابع إعادة تشكّل التنظيمات الإرهابية، وانتقالها بين المساحات الرخوة، وتقدّم أنموذجاً صارخاً لما يَحدث؛ جعلها تدفع ثمناً باهظاً حين تحوّلت أبرز ملفاتها الأمنية إلى أوراق تفاوضية، حين تُدار القوة بمنطق التسويات الدولية لا بمنطق حماية المجتمعات ومصالحها.

وهنا نسأل لتتنبّه القاعدة الجماهيرية، لماذا يخشى المحور الأمريكي- الإسرائيلي هذا السلاح وبخاصة أنه ليس موجّهاً ضد الشعب؟ ولماذا يحرّك أدواته الداخلية والخارجية لممارسة سياسية الضغط الأقسى لما يُعرف “إسرائيلياً” قطع الأذرع؟ ولماذا هذا التهكم لحلحلة هذا الملف في المنصات الإعلامية والرقمية؟ ماذا يريدون؟ منذ سنوات يدعون بهذه الدعوة واليوم مع تنظيمها يشيطنونها بمصطلح “نزع”.

إنّ الخوف الحقيقي للعدو ليس من “فوضى السلاح” التي لا يرتضيها أي وطني مخلص؛ بل من سلاح منظم، شرعي، يمتلك عقيدة ردعية مستقلة. فسواء كان سلاح الحشد أم الفصائل المنضبطة العقدية، قد كسر احتكار القوة، وأسس لمعادلة ردع داخلية وإقليمية، وجعل العراق رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه. ومن هنا، فإن الدعوات المتكررة لتفكيكها أو تحييدها؛ تتقاطع بوضوح مع مصالح قوى لا تريد للعراق أن يكون قوياً، بل أن يبقى ساحة مفتوحة.

خلاصة القول: إنّ الدولة التي تحمي نفسها لا تفاوض على قوتها، والنقاش حول “حصر السلاح” يجب أن يُدار بعقل الدولة، لا بعقل الصفقة. والمطلوب من القادة الوطنيين: عدم التضحية بقوة وطنية مقابل مناصب زائلة، بل تحصين هذه القوة ضمن رؤية سيادية واضحة تعتمد استراتيجيات وطنية. فالتأريخ لن يرحم من يفرّط بعناصر القوة، ولن يسمح للمساومات السياسية أن تترك ظهر العراق مكشوفا أمام عدو، ينتظر الضعف ليرسم “إسرائيل الكبرى” ويقدم وصفة “الديانة الإبراهيمية” طبق مكافأة؛ لمن كسر رأس الرمح وباع درّة التاج.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى