اخر الأخبارثقافية

لوحات التشكيلي محمد مسير .. سواد يختزل أحزان الأمهات الجنوبيات

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي …

يرى الناقد رحيم يوسف أن لوحات التشكيلي محمد مسير تختزل أحزان أمهاتنا الجنوبيات المتشحات بسواد الفقدان.

وقال يوسف في قراءة نقدية خص بها ” المراقب العراقي “:”مع أن الفنان التشكيلي محمد مسير تتلمذ على أيدي الكثير من الفنانين الكبار ، ورغم مرور وقت طويل على ذلك الا أن تأثير معلم الاجيال فائق حسن ، بقي ملازما له حتى الان وذلك حين يعمل على مدرسة الواقعية العراقية ، فهو يعمد إلى تصحيح السطوح التي تقع عيناه عليها لونا وإنشاءً ، مما يدُلُ على أنه تعلم درسه جيدا ، فيسعى الى تطبيق ذلك الدرس عمليا”.

وأضاف:أن” التخطيطات لها اهمية كبرى لدى الفنان التشكيلي محمد مسير ،كونها تشكل اساس عمله منذ بداياته الاولى وحتى نهاية علاقته بالفن حياتيا، لان تشكلات الخطوط هي صاحبة الدور الاكبر في عملية البناء الفني للعمل التشكيلي ،والذي يبدأ بخط ما قبل الشروع في عملية البناء اساسا ، هذا الخط الذي سيبقى ممتدا مع العمل على السطح التصويري ويسير من خلاله في أنحاءات وتعرجات ودوائر…الخ “.

وتابع :”ولعل من اصعب التخطيطات هي تلك التي تنفذ بالابيض والاسود سواء بالحبر او الفحم او القلم الرصاص ، لانها تتطلب مهارة عالية في الرسم ودقة في وضع الخطوط ونسب محسوبة في كمية الضوء المسلط على السطح بما يوازيه من ظل ولا يماثله بالضرورة في قياسات النسب ، ففي هذا التخطيط الذي يمثل وجه الأم ، الذي رسمه محمد مسير ، تعمد ان يحيله الى مساحة كبيرة من البياض ، وسط سواد مظلم عاشت به امهاتنا الجنوبيات حتى ممات الكثير منهن او من بقين بانتظار الموت ، لكنه وسط هذا البياض الطاغي على السطح تمكن من إبراز الحزن الهائل بخطوط بسيطة تماهت مع البياض والضوء ، لدرجة جعلت الضوء المنبعث  من الوجه او العينين “.

وأوضح : أن “هذه الخطوط تمثل نوعا من الفرح المقتول داخل تلك الأم طوال السنين التي مرت عليها وهي تنوء بثقل احزانها ، وفي الزوايا والتشققات التي تعمد أبرازها في الوجه الذي جعلني استعيد وجه أمي الغائب منذ زمن بعيد ، ثمة صراعات مخفية بمهارة شديدة ، لكنها على درجة شديدة من الوضوح في التأمل المتاني في القسمات ، فتهدّل الجفنين مثلا يبدو واضحا للناظر المتعجل بفعل  السنين او التقدم بالعمر الا انه ليس كذلك بل هو انعكاس لحالة الحزن الازلي ، كما تؤكد اشراقة العينين المتحدية لهذا الحزن المتجذر في الوجه والذي حفر اخاديده بكل اتجاه على خارطته ، كما انه وضع خطين وهميين ولكن يمكن تبينها بالقليل من التدقيق ، وهما يمتدان باتجاه زوايا الشفتين المتشققتين لخلق نفس إيحاءات الحزن الماثلة في زوايا العينين” .

واشار الى أن” حرفية الفنان  جعلته يجسد ما يبتغي على السطح عبر تعمده رسم الخطوط  باتجاهاتها المتعددة والتي تفضي في آخر الامر نحو التدوير  في الوجه السومري المرسوم لان الناظر الى الوجه من اي زاوية يكتشف وجوده وسط دائرة ليشكل مركز الثقل في بنية السطح باعتبار الأم هي الاساس في عملية الخلق للوجود الانساني دائما وابدا ، وفي تفصيل جانبي للوجه مثلت انبساطة الكف على الوجه كمًّا هائلا من الفجيعة ، تلك اليد التي تجسد رقة الحنان الامومي الذي لا يمكن ان تغيره السنوات ولا الاحزان المتكررة “.

وأوضح أن” مسير رسم تلك اليد الجميلة بوشومها السومرية الهائلة الجمال  مع وجود الخاتم ذي الدلالات الرمزية المعروفة لدى النساء عموما والجنوبيات خصوصا ، ويوازيها ذات الوشم اسفل الفم الذي يخفي ابتسامة غائمة يغلفها الحزن،  تلك الوشوم التي ستبقى إرثا راسخا للجمال في الذاكرة الجمعية ، والفنان يضعها هنا كسرا للصراع الموجود على السطح التصويري ، بين العتمة والضوء والفرح والحزن والحياة والموت ،الحياة التي تنتصر في النهاية ، رغم انتصار الموت لحظتها الا أنه لايستطيع الانتصار على الذاكرة التي ستبقى إرثا مستمرا حتى نهاية الكون”.

وأكمل:” ولعل من اهم الدلالات الرمزية التي يبوح بها التخطيط هو كونه تمرينا على الفقدان القادم لدى الفنان في لحظة انتشاء وجودي ، لانه تجسيد حي لكائن يعني له الشيء الكثير في حياته ولا أظنه مستوحى من مشاهداته في الواقع الفعلي”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى