اخر الأخبارالنسخة الرقميةتقارير خاصةسلايدر

الأسواق العراقية تتحول إلى ساحة مفتوحة للبضائع الأجنبية

شعار حماية المنتج المحلي يتلاشى


المراقب العراقي/ أحمد سعدون..
يشهد الاقتصاد العراقي مفارقة واضحة بين الخطاب الرسمي الذي يتحدث باستمرار عن حماية المنتج المحلي وبين الواقع العملي الذي يُظهِر اعتماداً واسعاً على الاستيراد من دول الجوار وخصوصا من تركيا والدول العربية، فخلال السنوات الأخيرة تحول العراق الى واحد من أهم الأسواق الإقليمية التي تستقبل بضائع جاهزة تغطي مختلف القطاعات من الاغذية والملابس الى الاجهزة الكهربائية والانشائية، الامر الذي جعل السوق المحلية تعتمد بشكل كبير على البضاعة الخارجية دون أن يقابل ذلك تطور مماثل في الصناعة الوطنية.
الارقام التجارية الأخيرة تكشف عن حجم الفجوة بوضوح، فقد بلغت صادرات تركيا الى العراق حوالي 13 مليار دولار عام 2024، بزيادة مستمرة عن السنوات السابقة، فيما سجلت عام 2023 ما يقارب 11.5 مليار دولار، وهو رقم يعكس حجم التبادل التجاري الكبير بين الجانبين ولكنه يكشف في الوقت نفسه مقدار التراجع الفعلي في الإنتاج المحلي العراقي.
وفي جانب الواردات العربية، تأتي الإمارات في مقدمة الدول التي يعتمد عليها العراق، إذ تسجل أرقاماً ثابتة ومتصاعدة في حجم التبادل، بينما يتوزع ما تبقى على دول عربية أخرى ، حيث أعلن المركز الإحصائي لدول مجلس التعاون الخليجي، أن العراق جاء خامس أكبر شريك تجاري لصادرات المجلس في عام 2024، فبلغت قيمتها 36 مليار دولار وهي تمثل نسبة 4.2% من صادرات المجلس، هذه الارقام تؤكد أن مسار السوق العراقية يسير باتجاه تكريس الاستيراد وليس تقليصه.
ويرى خبراء اقتصاديون أن” المشكلة الأساسية ليست في الاستيراد بذاته، فالعراق يحتاج بالضرورة الى سلع ومواد لا ينتجها محلياً، بل في غياب سياسة صناعية واضحة، مبينين أن السلع التي يستطيع العراق تصنيعها تشهد منافسة غير متكافئة مع البضائع المستوردة التي تصل بأسعار منخفضة وجودة مقبولة وتسويق فعال، بينما يقف المنتج المحلي أمام كلف إنتاج مرتفعة ومشاكل تعرفة ورسوم ومعوقات إدارية وفنية”.
العراق يمتلك سوقاً كبيرة قادرة على استيعاب صناعات واسعة لو توفرت البيئة المناسبة، لكن عدم تشريع القوانين الاقتصادية، بالإضافة الى الإجراءات الجمركية الضعيفة التي سمحت للسلع الاجنبية بالسيطرة على الأسواق العراقية.
وفي الشأن ذاته أكد الخبير الاقتصادي د. فالح الزبيدي في حديث لـ”المراقب العراقي” أن” الحماية الفعلية للصناعة لا تحتاج فقط الى رفع التعرفة او إصدار تعليمات، بل الى خطة اقتصادية ترتكز على دعم مباشر للمصانع وإصلاح قطاع الطاقة، وتشجيع الاستثمار الصناعي عبر حوافز حقيقية لا الى شعارات لا تستند الى الواقع”.
وأضاف ” أن المصانع العراقية ما تزال تعاني غياب التكنولوجيا الحديثة وصعوبة الوصول الى التمويل وضعف شهادات الجودة، وهي عناصر تجعلها غير قادرة على المنافسة مع السلع التركية والعربية”.
ولفت الى أن” شعار حماية المنتج المحلي تحول الى خطاب إعلامي متكرر دون إجراءات تنفيذية قوية، فالسوق ما تزال مفتوحة على مصراعيها، والرقابة على المنافذ ضعيفة، كما أن أغلب المبادرات الصناعية لا تتجاوز مستوى التصريحات، وهذا انعكس سلباً على تشغيل الايدي العاملة، وتقويم المصانع”.
وأشار الى أن “الاعتماد المتزايد على الواردات لايعكس فقط ضعف التصنيع، بل يكشف غياب الرؤية الحكومية في بناء قاعدة إنتاجية حقيقية ، لافتاً الى أن الأسواق العراقية باتت تتعامل مع المنتجات الأجنبية بوصفها الخيار الوحيد القادر على تلبية الطلب من حيث السعر والتنوع والوفرة”.
ومع بقاء العراق في صدارة المستوردين على مستوى المنطقة، يبدو أن التغيير ليس بالقريب ما لم تذهب الحكومة المقبلة نحو سياسات جادة تتضمن معالجة جذور المشكلة وليس ظاهرها، فالصناعة المحلية لن تنهض بالشعارات، بل بخطة واضحة وتمويل فعلي وضبط منافذ وتطبيق معايير تنافسية تجعل المنتج العراقي خياراً حقيقياً في السوق وليس فقط عنواناً في التصريحات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى