إمتاع الشعر ومؤانسة الفنون
في مناسبة المعرض الاستعادي للتشكيلي العراقي الكبير ضياء العزاوي، الذي ينظمه متحف الفنّ العربي الحديث في الدوحة، أتوقف عند واحد من الأبعاد الكثيرة، المتنوعة والمتداخلة، التي اكتنفت تجربته المديدة والغنية؛ وأقصد ذلك التفاعل العميق بين التشكيل والنصّ الشعري، في مثال واحد حاسم هو قصيدة محمود درويش.
ومن المعروف أنّ العزاوي نفّذ رسوم “أحمد الزعتر”، قصيدة درويش الشهيرة؛ كما رسم لقصيدة “يطير الحمام يحطّ الحمام”، في طبعة محدودة كانت أقرب إلى تحية تذوّق، من تشكيلي إلى شاعر. وفي هذا الصدد، يتوجب التذكير بأنّ عمل “أمّة في المنفى”، الذي صدر في عام 1997 وشهد اللقاء الفريد بين شعر درويش وخط حسن المسعودي ومحفورات رشيد القريشي؛ انضمّ إلى كتاب آخر في المنحى ذاته، صدر سنة 2002، واحتوى على مقاطع من “قصــــيدة بيروت”، مكتوبة بخط الفنان المصري الراحل كمال إبراهيم، مع محفورات جديدة من القريشي.
هذه، في عبارة أخرى، حال امتزاج حواري رفيع بين أربعة فنون: الشعر، والرسم، والحفر، والخط. وأجدني شديد الميل إلى اليقين بأنّ المتلقي ـ أي القارئ، والقارئ البصري، ومحبّ الفنون بصفة عامة ـ هو الكاسب الأوّل من حال الامتزاج هذه. إنها، في نهاية المطاف، تجارب فريدة لا تتكرر كثيراً في تقاليد النشر العربية، أو في مشاريع الإنتاج الثقافي متعددة الأجناس؛ وذلك رغم أنها شكلت وتشكّل على الدوام حاجة ماسة من أجل تنمية التربية الجمالية في حدودها الدنيا، ومن أجل تطوير الذائقة الجَمْعية، والارتقاء بها، أو تصويب نزوعاتها المتجبرة.
وفي “الإمتاع والمؤانسة”، يذكّرنا أبو حيان التوحيدي بأنّ الخط والشعر “كلاهما معروف الشرف، عجيب الأثر، عزيز القدر، ظاهر النفع في معاينة الروح ومناغاة العقل وتنبيه النفس”. وفي مثالب الوزيرين يسأل التوحيدي مخاطِبه: “أتسأل عن النظم وأنت لا تعرف الرقم ولا العقم ولا الصرم ولا الردم”؟ أي، في ما يتوازى مع مصطلحات زماننا، كيف تسأل عن الشعر وأنت لا تعرف شيئاً عن الخط والكتلة والفراغ والتكوين؟ ومن المعروف أنّ فنّ الخط العربي اكتسب، على يد خطاطين كبار من أمثال ابن البوّاب وابن مقلة، مقوّمات جمالية معقدة ومستقلة، وطوّر الكثير من المنظومات التشكيلية والتجريدية، واجتذبت رمزيته مختلف تيّارات التصوّف والفلسفة.
وفي اليونان القديمة كان الفيلسوف والشاعر الغنائي سيمونيديس قد عدّ أنّ “الرسم شعر أخرس”، والشعر استطراداً رسم ناطق؛ على غرار ما سيذهب إليه ليوناردو دافنشي، في مقولته الشهيرة: “الشعر رسم أعمى”. ومنذ عام 1766، حين صدر كتابه الشهير “لاوكون: مقالة حول حدود الشعر والرسم”، أقام الفيلسوف الألماني ليسينغ سلسلة تناظرات وثيقة بين الشعر والرسم؛ اشهرها أن الشعر يمثّل الزمان والعلامة المصنوعة والمدى اللامحدود والتعبير والروح والداخليّ والبليغ والأُذن والمذكّر، في حين أن الرسم يمثّل المكان والإشارة الطبيعية والمدى الضيّق والمحاكاة والجسد والخارجيّ والصامت والعين والمؤنث. وغنيّ عن القول إن هذه التناظرات تكمل بعضها، أو هي تتكامل، على صعيد التوازن الجمالي للكائن البشري.
لكنها أيضاً فنون تحافظ على استقلال ذاتي واسع، ومرونة تعبيرية مطلقة، بصرف النظر عن درجة اقترابها وتقاربها. ذلك، لحسن الحظ، هو السبب في أن شعر درويش يتكامل مع رسم العزاوي، وخطّ المسعودي وإبراهيم، وحفر قريشي، سواء بسواء. ولسنا، البتة، أمام حالة اندماج أو ذوبان أو استقالة من الواحد لصالح الآخر. هذه أربعة فنون تتمازج وتتجاذب وتتفاعل، على نحو حرّ ومتكافئ لا يخضعه لمعايير التذوق المتباين، ولا يتدخل في إصدار أحكام القيمة عليه، سوى المتلقي؛ الذي يحدث أنه القارئ، والقارئ البصري، ومحبّ الفنون بصفة عامة.
صحيح أن قصيدة درويش هي القاسم المشترك بين الشعر والرسم والحفر والخط، وهي بالتالي قد تكون مرشحة لمقدار أعلى من الاستئثار بعملية التلقي؛ ولكن من الصحيح أيضاً أنّ العزاوي يقترح تمثيلات تشكيلية مستقلة في قِيَمها التعبيرية، والقريشي يقترح محفورات تبدأ من اشتغالات فنون الحفر أولاً، والمسعودي وابراهيم يقترحان تكوينات خطوطية فنية لا صلة شكلية وتشكيلية تجمعها بالتمثيلات الطباعية التي ظهرت عليها “قصيدة بيروت” كما نعثر عليها في أيّ من مجموعات درويش المطبوعة.
هل يعني هذا أنها، فنون الشعر والرسم والحفر والخطّ، تتمتع باستقلال تامّ وغير منقوص؟ كلا بالطبع، ولحسن الحظّ! ذلك لأن القصيدة لا يمكن أن تُقرأ في هذا الكتاب كما تُقرأ في مجموعة “حصار لمدائح البحر”، التي صدرت سنة 1984 واحتوت على القصيدة ذاتها. القصيدة هنا اكتسبت معطيات بصرية جذرية التأثير، أدخلتها إليها الرسومات والمحفورات والخطوط. وهي، استطراداً، مزيج مركب تتفاعل فيه الفنون الأربعة، الشعر والرسم والحفر والخط، بعد أن كانت وتظلّ (في أيّ من مجموعات درويش المطبوعة) قصيدة فذّة تشهد تفاعلات فنّ الشعر وحده.
أربعة فنون كبرى تُكسِب وتَكسب، إذاً؛ وتتفاعل، وتمتزج، وتغتني وتُغني. وثمة، جراء هذا اللقاء الفريد، الكثير من الثراء الجمالي الذي يَكسبه القارئ بدوره، وأوّلاً.
صبحي حديدي/ كاتب سوري



