ثقافية

بعثة القطب الشمالي

1139

إحسان عبد الكريم عناد

فجأة، شعرت بظلمة وضيق، غربة وصقيع، مغمض العينين كنت بلا حول ولا قوة. صرخت باعلى صوتي، صرخت علّ احداً ما يسمعني، او يلتفت الي عابر. فبعد ليلة قضيتها هنا بمفردي لم يعد بوسعي ان اتحرك. حيث بدأ الجليد يغطي جسدي كله، ثم تسرب الى احشائي واحاط عظامي كلها ثم زحف الى قلبي، قلبي الذي كان يحلم بالدفء، مغطى الان بطبقة من جليد.
في الصباح التالي لم اعد قادراً على الصراخ، كنت وديعا مستسلما، غارقا في عالم آخر. شعرت بدفء مفاجئ وانا انتقل مثل لوح خشبي بأيدٍ غريبة، انتقل الى سرير جلدي.
انظر الى مباضع وسكاكين، خيوط وابر، اصوات مبهمة لا اعرف ما تقول، كأنهم يبحثون عن آثار اصابات، جروح، كدمات، حروق، اثار خنق.
نظروا في عينيّ وجعلوا الضوء يمر عبرها، كان البؤبؤ قد توسع ولم تعكس القزحية شيئاً..
ثم وضعوا خلف أصابع يدي المضمومة مصباحاً يدوياً، فلم يلحظوا ضوءاً احمر. اخذوا نماذج من الدم والبول ومحتويات المعدة ومن الكبد والرئة. اخذوا من قشرة دماغي قليلاً ومن جذعه، ولا إشارات تنبئ عن حياة. اخذوا من كل شيء سوى قلبي.. قلبي الذي غاب صوته بعد ان اتعبه الضجيج.. ولم يكن احد معنياً به.
كنت منكسراً مثل طائر بلا جناح.. حائراً. لا ادري لم تلاشت قدرتي على الرفض او المقاومة؟ لِمَ صار جسدي هكذا مستباحاً؟
في الليلة التالية بعثت برسائل كمحاولة يائسة اخيرة، رسائل تدمي القلب الى كل شخص اعرفه. ابي وامي اخواني وحتى اخواتي.. الجيران والأصحاب.
ولكن لاجواب..
واخر ما كتبت لهم..
(منذ ليلتين وانا اتجمد هنا في قفص حديدي.. منذ ليلتين وانا بلا طعام او ماء.. ارجوكم خلصوني.. اريد ان احتضن الشمس.. اريد ان تضمني الأرض..).
لا احد كان يسمعني سوى أمي، هي وحدها من كانت تبحث عني في غرف ثلاجات الموتى.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى