الصهيونية الجديدة وحروب الاغتصاب الشامل

بقلم: خالد شحام..
المقاومة في غزة خفضت سلاحها وخضعت، لبنان الذي تتحامون به ركع للإملاءات الصهيونية وتحول إلى مقاوِم ضد المقاومة، سوريا التي كنتم تتغنون بها أصبحت جنديا آخر يُضاف الى صف العسكر الأمريكي وقريبا ستصبح هي الحامي للكيان الصهيوني، السودان في حالة يرثى لها من القتل والتجويع والاستعمار، غزة أصبحت أثراً بعد عين ولا توجد أية نوايا لإعمار أو فك حصار أو حتى تخفيف لمعاناة الناس، وها هي شهادات اغتصاب الأسرى تدوي في الإعلام، وانظر بالأمس إلى حال الخيام وأهلها مع المطر، في الضفة الغربية يسجل العدو، نجاحا آخر في معركة المستوطنين ضد الفلسطينيين وأراضيهم، كل يوم يمضي تتكشف انتهاكات وخروقات فادحة ولا أحد يبالي أو يسأل حتى لو أبيد كل الشعب الفلسطيني، فما هو الأمل أو النصر الذي تتكلمون عنه؟.
هذا هو بالضبط المحتوى الذي يجادلني به أحدهم من الكُثر، الذين يتنفسون هواء المستعمرات الإسرائيلية، ويثملون بالمعسل الاعلامي العربي المشرب بحشيش الهزيمة وكوكايين الذل والرواية العبرية للأحداث، أستطيع أن أسجل ملاحظاتي الخاصة أمامكم لأقر بأن هنالك سحابة من الاحباط والسوداوية تحلُّ على الوعي العربي والقراء والكتاب والاعلاميين والمفكرين مثلما يسدل الظلام ستائره على النهار، سحابة ثقيلة تسودها روح اليأس والاستسلام وتحليلات ورؤى تعيد ترتيب المشاهد وفقا لدليل تجميع قطع الليجو الأمريكية والاسرائيلية في زمان العبث واللهو السياسي الكبير، فهل وصلنا فعلا إلى تلك النتائج؟.
في معرض مشاركاته الصحافية والإعلامية طيلة سنتي العدوان الإرهابي على غزة، استخدم الكاتب الصحافي الأمريكي كريس هيدجز مصطلح “Neo-Zionism“ في توصيف الأفعال الإجرامية التي ترتكبها عصابة القتلة داخل الكيان، والصهيونية الجديدة التي كشفت نفسها للعالم تختلف عن تلك التي عرفناها ما قبل السابع من أكتوبر ونسفت كل ما قبلها من مصطلحات، نحن الان أمام فارق ومنعطف تأريخي لكائن سياسي استعماري جديد لم تعد ترضيه عمليات اغتيال واعتقال فردية أو تهجير أو استيلاء على أراضي الفلسطينيين، لم تعد العمليات العسكرية الجراحية المحدودة هي الفيصل، لقد تم إنتاج محتوى جديد من سياسات القتل والكره والحقد والانحطاط البشري على يد هؤلاء، الصهيونية الجديدة التي نتكلم عنها والتي وصفها الصحافي الأمريكي تقوم على أعمدة من الجرائم المحدثة غير المسبوقة من الإبادة والتجويع والاغتصاب والاعتداء المطلق وهيستيريا الجريمة واعتداء عام على كل منظومات العالم وقوانينه .
هذه الصهيونية أنشئت حضورها على التطورات السياسية والتكنولوجية والاقتصادية التي نمت في الحاضنة الأساسية لها داخل أوروبا والولايات المتحدة وتضاف لها البيئة العربية المواتية في الشرق الأوسط، وهي تمثل التطبيق العملي لأفكار النظام العالمي الجديد الذي يليق به هذا المصطلح، أعمدة هذه الصهيونية الجديدة تتمثل في القوة العسكرية المفرطة والايمان بالعدوانية الشديدة المتمسكة برواية كاذبة كذابة وانكار مطلق لكل حقائق العالم، رؤية الصهيونية الجديدة لهذا العالم بدأت مع كورونا وامتدت حتى الان، إنها الابوكاليبس الجديد لهذا العالم حيث الشعوب يمكن أن تموت من الجوع، الضحايا يمكن نقلهم في ثلاجات مثل الخراف المذبوحة دون معالم ولا هوية ولا أطراف ولا يمكن التعرف عليهم جراء التعذيب والسادية، عالم يمكن فيه قتل المئات في ثانية دون سائل ولا مسؤول، يمكن فيه سرقة بلاد بأكملها لأن أمريكا يمكنها ذلك، يمكن فيه ذبح المرأة والرجل والطفل وحتى المساجين وحتى الموتى، عالم يتم الدفن فيه للضحايا بمقابر جماعية تضم المئات أو الآلاف لأن الضحايا لم تعد معروفة، عالم كله خيام ومشردون يعانون المطر والبرد والحر والذباب وانعدام النظافة والغذاء والدواء، هذا هو عالم الصهيونية الجديد الذي يمكنكم معاينته في محطات عديدة .
إن الاغتصاب لم يعد هو الرمزية الوحيدة للانحطاط الصهيوني وتتويج رغبته بكسر الروح الداخلية للشعب الفلسطيني والشعوب العربية، خاصة في ظل عالم تحكمه قوى كلها تجتمع في جزيرة الاغتصاب الخاصة بجفري إبشتين ونادي هواة الاغتصاب الذي ينتمي له أمثال كوشنر وروبيو وبراك وويتكوف وسائر الأسماء القبيحة، ويتم تبادله بين الاعضاء في حفلات ذروة النشوة، لقد خلع مفهوم الاغتصاب مفهومه السيئ ليتحول إلى أيقونة إجرامية حقوق نشرها في طول وعرض بلاد العرب هي حقوق صهيونية امريكية بامتياز تتم ترجمتها إلى أشكال متنوعة من الاغتصاب، تبدأ باغتصاب جسد الرجل أو المرأة العربية الى فكرة اغتصاب السيادة والأرض والحياة والمستقبل والمصير القادم، وهنا أصبحت الصهيونية الجديدة وفقا لمصطلح هيدجز تطمح إلى اغتصاب مقاسات أكبر بحجم سوريا ولبنان ومصر وايران وباكستان واسماء أخرى لا يتسعها الوصف.
غير أن الاغتصاب برمزيته ومفهومه يتضمن في جوفه شرحا خفيا ينقذنا جميعا من فقدان ماء الوجه أمام العروبة والإسلام والهوية والمصير، حيث أن هنالك اغتصابا قسريا يتعرض له الشرفاء في ميدان المعركة عندما يقوم جيش المخربين بتطبيق تعاليم الصهيونية الجديدة على أفراد مقيدين بالقيود الحديدية ولا حول لهم ولا قوة، ليثبت هؤلاء المجرمون أنهم قادرون على الوصول الى لب الكرامة الفلسطينية بهويتها العربية الاسلامية، أما النوع الثاني من الاغتصاب فهو الذي يفرز الحق من الباطل حيث يليق به مسمى الاغتصاب الطوعي وقبول الضحية بأن تكون شريكة ملاصقة على الفراش برغبتها التطبيعية، حيث تؤمن الضحية بأن الشراكة ممكنة مع العدو وبأن الانبطاح هو السلوك المنجي من شره وسطوته، يحدث الاغتصاب الطوعي ايها المتفرجون عندما تبدأ الرئاسة بترجي الوسطاء والعالم والكفلاء بأن يكف الصهاينة اعتداءاتهم اليومية، يحدث الاغتصاب الطوعي عندما يتم تعيين وزير خارجية أو ناطق رسمي يسيل أدب الكلام من فمه وهو مرعوب خشيةً من كلمة أو مصطلح أو سياق لا يروق لأعداء الأمة، يحدث الاغتصاب الطوعي الأشد نزعا للكرامة عندما تعايش الأمة بطولها وعرضها الاعتداء على جسدها ثم يطالب الجنرالات العالم العدو باحترام الاتفاقيات ويطالبون بالسلام والسخام ويوقعون عقود فتح بلادهم للعدو ليفعل بها ما يشاء .
الحقيقة التي لا يريد العدو أن يراها أو يفهمها يقولها علم السيكولوجي السياسي، الذي يتكلم بهدوء وثقة بأن المقاومة الفلسطينية والعربية لا يمكن هزيمتها بكل هذه الأدوات الدنيئة التي لا يوجد لها تفسير إلا في قاموس الهمجية والحيونة والوحشية الفطرية الأولية، وتحقيق (النصر المطلق) تحول إلى أفعال جبانة عديمة الأخلاق لا تتناسب إلا مع مقاسات المهزوم والفاشل.



