رغم فقدانه البصر.. “الحاج جاسم” يصنع من الدراجة حكاية صبر في بغداد

في أزقة مدينة الحرية ببغداد، وبين أصوات الأطفال وضجيج الشوارع، يجلس رجل ستيني بهدوء أمام محله الصغير، لم يرى العالم بعينيه منذ أن كان طفلاً، لكن بصيرته كانت كافية ليرى الحياة من زاويتها المضيئة، وليكتب قصة كفاح امتدت لسبعة عقود.
إنه الحاج جاسم محمد، المعروف بين أهل المنطقة بـ”أبو نصيف”، أحد أقدم مصلحي الدراجات في بغداد، رجل لم يمنعه فقدان البصر من أن يتحول إلى رمز للصبر والمثابرة.
ويقول أبو نصيف إن مرض الرمد كان السبب في فقدانه البصر عام 1943، عندما كان عمره لا يتجاوز السنة. لم يكن وحده، فقد كانت العاصمة تعاني في تلك السنوات من موجات من الأمراض الوبائية التي فتكت بالكثير من الأطفال بسبب قلة الوعي الصحي وندرة العلاج.
ورث المهنة عن والده الذي كان يعمل في إصلاح الدراجات، وافتتح محله عام 1958، ومنذ ذلك الوقت، بات اسمه جزءاً من ذاكرة الشارع البغدادي، شاهداً على تحولات البلاد وأزماتها.
ويقول بثقة: “العوق لم يمنعني، بل زادني قوة. تعلّمت كل تفاصيل المهنة حتى أصبحت أتقنها، وعلّمت أولادي أيضاً، وأنا أفتخر أنني لم ارد يوماً محتاجاً طرق بابي”.
ويعرف عن أبو نصيف كرمه مع الناس، فهو لا يمانع في تقديم الخدمة مجاناً لمن لا يملك الأجر، كما يفتح باب محله دائماً للشباب ممن يريدون تعلّم المهنة.
ويقول أحد سكان المنطقة: “الحاج أبو نصيف ليس مجرد مصلح دراجات، بل هو وجه من وجوه المدينة، حافظ على مهنته رغم كبر السن وفقدان البصر، ومحبوب من الجميع”.
رجل كفيف يعيش بقلبٍ مبصر، لا يحتاج إلى عينيه ليصلح العجلات، فقد امتلك من الإرادة ما يكفي ليعيد الحياة إلى الدراجة والكرامة إلى المهنة.



