اراء

نظرية الدوائر الأربع.. كيف تتعامل الصين مع الشرق الأوسط؟

بقلم: ليلى نقولا..

شهدت الصين حدثين استثنائيَّينِ مهمين الأسبوع الماضي، وضعاها في ضوء الاهتمام الدولي، قمة منظمة شنغهاي التي عُقدت في تيانجين، والاحتفالات بالنصر على اليابان والعرض العسكري وخطاب الرئيس الصيني تشي جين بينغ بالمناسبة، والذي تضمن رسائل دولية متعددة وأهمها تجاه الولايات المتحدة الأمريكية.

وفي هذا المشهد الصيني الذي يشي بتعاظم القوة، يتطلع العديد من شعوب الجنوب العالمي، وخاصة شعوب الشرق الأوسط، إلى صعود صيني يوازن القوة الأمريكية التي يراها العديد في المنطقة بأنها منحازة، خاصة في ظل الدعم المطلق وغير المسبوق لـ”إسرائيل”، التي تمارس حرب الإبادة في غزة بدعم أمريكي واضح.

فهل تستطيع الصين أن تقوم بهذا الأمر، وهل هناك أمل لشعوب المنطقة بصعود صيني موازٍ يُسهم بتوازن يحصّل لهم حقوقهم وتطلعاتهم؟

العالم” في النظرة الأمنية الصينية

بعد وصول الشيوعيين إلى الحكم عام 1949، بات المحفز الأساسي للسياسات الخارجية الصينية ينبع من رؤية الصين للتهديدات المحتملة، بحيث تمّ تقسيم العالم إلى “دوائر أربع”، على النحو التالي:

– تشمل الدائرة الأولى أراضي الصين نفسها، بما في ذلك تايوان والتبت وشينجيانج. في هذه الدائرة تحدد الصين التهديدات لأمنها من الجهات الفاعلة الأجنبية، وتقلبات الاقتصاد العالمي، ونمو المنظمات غير الحكومية في الداخل الصيني، وانتقادات حقوق الإنسان.

– الدائرة الثانية وهي المحيط المباشر للصين. وتنبع المخاوف الأمنية الصينية في هذه الدائرة من عشرين دولة مجاورة، بما في ذلك سبع من أكبر دول العالم، وخمس دول مزقتها الحرب، وتسعة أنظمة غير مستقرة. وتقع تايوان في الدائرتين الأولى والثانية.

– تتكون الدائرة الثالثة من أنظمة إقليمية مجاورة عددها ستة، ويتضمن كل نظام اقليمي عدة دول.

– تشمل الدائرة الرابعة العالم كله خارج نطاق الجوار الصيني المباشر والأنظمة الإقليمية المجاورة.

تُعتبر هذه المنطقة أساسية للمصالح الاستراتيجية للصين في تأمين الاستقرار، حيث تهدد سياسات الحرب أو تغيير النظم مصالح الصين الاقتصادية وعلاقاتها الدبلوماسية. لكن الصين تفتقر إلى الموارد اللازمة لتعزيز الأيديولوجيات، ودعم الأنظمة الحليفة، أو بناء وجود عسكري كبير في هذه الدائرة.

تعود علاقة الصين بالشرق الأوسط الى التأريخ القديم، مع وجود روابط تجارية واقتصادية تعود إلى أكثر من ألفي عام. وخلال عهد أسرة تانغ (القرن السابع)، سافر التجار والكهنة البوذيون الصينيون عبر طريق الحرير، ما أرسى الأساس لتفاعلات معقدة ومتنوعة تميزت بالتبادل الثقافي والتجارة والدبلوماسية. وازدهرت التجارة البحرية خلال عهد أسرتي مينغ وتشينغ، حيث وصلت السفن الصينية إلى موانئ المنطقة وبالتحديد ما يعرف حالياً بإيران والعراق ومصر.

أما سياسياً واستراتيجياً، فكانت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا “خارج نطاق اهتمام الصين”، وذلك استنادًا إلى “النظرة الصينية القديمة للعالم المتمثلة في” الدوائر المركّزة “، والتي كانت تعتبر منطقة الشرق الأوسط بمنزلة “المناطق الداخلية الغربية لمحيطها الغربي“.

عملياً، انتقلت الصين إلى الدائرة الرابعة، مع بدايات القرن الحادي والعشرين، لتلبية العديد من الاحتياجات: فتح أسواق جديدة، تأمين إمدادات الطاقة، وتعزيز آفاق الاستثمار، والسعي لكسب الدعم الدبلوماسي.

وبعد إطلاق “مبادرة الطريق والحزام”، أصبح الشرق الأوسط منطقة استراتيجية وحيوية للاقتصاد الصيني كمفترق طرق عالمي لا غنى عنه، مع آثار جيو-استراتيجية كبيرة على تلك المبادرة. وقبل حرب أوكرانيا كان حوالى 50٪ من واردات الصين من النفط تأتي من الشرق الأوسط، لكنها انخفضت لاحقاً بعد تركيز الصين على استيراد النفط الروسي.

وعليه، هل تأتي الصين لمنافسة الأمريكيين وفرض نفسها لاعباً موازياً في الشرق الأوسط؟

لفهم استراتيجية الصين الحالية في الشرق الأوسط، يجب أن نلحظ الحقائق التالية:

أولاً: الصين دولة براغماتية تهدف إلى تحقيق مصالحها (خاصة الاقتصادية) في الشرق الأوسط، وبالتالي هي تقيس تدخلاتها بحسب “الجدوى“.

وبقياس الجدوى، يترابط سلوك الصين وسياستها الخارجية بشكل وثيق مع تصورات الصين للتهديدات الأمنية، وهكذا تبرز متغيرات ثلاثة ذات أهمية قصوى في تشكيل استراتيجيات وبرامج الصين في الخارج:

أ) العنصر السياسي الذي يعتمد على ثلاثة مكونات: تعزيز النظام السياسي في الصين، وحماية تماسك الدولة داخل الحدود البحرية والإقليمية، ومواجهة التهديدات الخارجية والداخلية.

ب) القوة العسكرية اللازمة لحماية الدولة وتعزيز مصالحها.

ج) تقدم الاقتصاد الصيني وازدهاره.

ثانياً: ترتبط سياسة الصين في الشرق الأوسط بهواجسها واستراتيجيتها في الدائرة الأولى والثانية، وبالتالي سياستها الشرق أوسطية ليست متغيراً مستقلاً، بل هي متغير تابع يجب تفسيره على أساس تصوّر الصين للتهديدات والمصالح في شرق آسيا.

في المرحلة الراهنة، تفضل الصين “إعادة انخراط” الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. إن “الانخراط العميق” للولايات المتحدة في أوروبا (لمواجهة روسيا) والشرق الأوسط (للحفاظ على نفوذها وأمن “إسرائيل”) من شأنه أن يؤخر أو يقلل من انخراط الأمريكيين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ لاحتواء الصين.

وانطلاقاً مما سبق، تبدو الصين -حتى الآن- غير راغبة في تغيير البنية الأمنية التي أنشأتها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، أو في منافسة الأمريكيين على النفوذ في الشرق الأوسط. لذا، لن تكون الصين في المدى القريب بديلاً عن الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، بل ستظل لاعباً اقتصادياً مؤثراً أكثر من كونها قوة تسعى إلى الهيمنة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى