غزة العصية على الكسر

بقلم: يسري الغول..
شرع الاحتلال الإسرائيلي مرة أخرى بإعادة التقدّم باتجاه مدينة غزة من الجهة الشرقية وكذلك الغربية، من دون الإشارة إلى ذلك، تماماً كما جرى مع مدينة رفح التي قال إنه لن يدخلها نتيجة الضغط الدولي ثم ولج كلّ شبر فيها وقام بسحق الحجر والشجر هناك، واليوم يعود “جيش” الاحتلال، لممارسة السلوك نفسه بمحاولة خداع العالم العاجز عن الصراخ في وجهه؛ ففي الوقت الذي يخرج فيه الناطق باسم “الجيش” وكذلك رئيس الأركان من أنهم سيباشرون عمليتهم العسكرية الجديدة خلال منتصف أيلول، يقومون بالتوغّل منذ أسبوعين على الأقل بصمت، الأمر الذي يحمل رغبة قوات الاحتلال بالمحاولة وقياس قدرة المقاومة على التصدّي والصمود قبيل الإعلان عن تلك العملية التي تخشى قيادة “الجيش” أن يكون مصيرها الفشل.
لكنّ السؤال الذي يطرح نفسه: ألم يقم الاحتلال باجتياح مدينة غزة من قبل؟ وماذا عن احتلال مخيم الشاطئ ومنطقة النصر والشيخ رضوان لأكثر من أربعة أشهر؟ ماذا عن اقتحام مستشفى الشفاء ثلاث مرات والسيطرة على محيط المكان لمدة طويلة؟ ثم ماذا عن اقتحام منطقة تل الهوا والوصول إلى منطقة الجوازات ومدينة عرفات للشرطة وكذلك مربّع الجامعات وغيرها؟ .
فماذا يقصد نتنياهو باحتلاله لمدينة غزة؟ وهل هناك معلومات جديدة حول شبكة أنفاق أخرى لم يتمّ تدميرها، لذلك فإنّ عودته ضرورية؟.
أم أنّ الأمر يحدث فقط لأهداف سياسية وشخصية لنتنياهو؟ وربما هو السيناريو الأقرب نظراً لفهم سلوك وشخصية رئيس الوزراء الإسرائيلي، أم هل يسعى الأخير بتلك العملية للقضاء على البيئة الفلسطينية والوعي الجمعي الذي صنعته المقاومة طوال عقود من الحصار؟ هل يريد القضاء على الشعب الفلسطيني الغزي تنفيذاً لوعد التلمود والتوراة، خصوصاً إصحاح إشعياء الذي يردّد أسفاره دائماً في المؤتمرات التي يتحدّث خلالها للصحافيين؟ والسؤال الأخير: هل يعود مجدّداً لتنفيذ مخطط التهجير والسيطرة على قطاع غزة بالكامل؟.
وهنا يراود جميع سكان قطاع غزة سؤال آخر، طالما أنّ قنوات الناطقين باسم “جيش” الاحتلال تنذر بتلك الخطوة الخطيرة: لماذا سُمح للنازحين الذين نزحوا جنوباً بالعودة إلى الشمال طالما أنه يريد تهجيرهم؟ وهل تتسع منطقة الوسطى وموراج والجنوب لاستقبال هذا الكمّ الهائل من السكان؟ حيث يبلغ عدد سكان مدينة غزة قرابة المليون نسمة. وما موقف الدول العربية من تلك الخطوة الخطيرة؟ هل هناك بالفعل حشود من الجيش المصري في سيناء؟ وهل يبلغ عددهم أكثر من أربعة آلاف جندي كما تشيع وسائل إعلامية إسرائيلية؟ وما الدليل على ذلك؟ وهل هذا الجيش قادم لوقف الإبادة أم منع الفلسطينيين من النزوح إلى الأراضي المصرية؟.
وعلى النقيض قد يكون هناك توجّس من أنّ كلّ ما يجري في قطاع غزة هو لإشغال الرأي العامّ العالمي، من أجل السيطرة على الضفة الغربية وسحق المتبقّي من الأراضي الفلسطينية هناك وإعادتها إلى يهودا والسامرة، فـ”دولة” الاحتلال ماضية في مشروعها الجيوسياسي المراهق ببناء “دولة إسرائيل الكبرى” التي قد تكون بحجم يسمح لها بالسيطرة على العالم كما تفعل الولايات المتحدة الأمريكية اليوم، سيما وأنها تقع في منطقة الشرق الأوسط، تجمع آسيا وأفريقيا بين جوانحها، من النيل إلى الفرات.
وبالعودة مرة أخرى إلى بعبع احتلال مدينة غزة، والتصريحات المتعدّدة التي يطلقها نتنياهو ووزير الدفاع المتطرّف كاتس وكذلك بن غفير وسموتريتش ورئيس هيأة أركان الحرب زامير: هل هناك خطة حقيقية لاحتلال القطاع؟ ثم الذهاب لاحقاً كما أشارت صحيفة هآرتس الإسرائيلية إلى الخطة التالية من حشر النازحين في منطقة موراج بسجن يرابط عليه الدروز والبدو وجماعة أبو شباب تحت اسم “سيديه تيمان 2” أسوة بسجن سيديه تيمان سيّئ السمعة، كما سيتمّ حصر السكان هناك لمدة ثلاثة إلى خمسة أعوام، وسيتمّ قتل أكثر من 120 إلى 150 ألف نسمة من المرضى وكبار السن بمنع إدخال الطعام والشراب الصحي، كي يتمّ الذهاب إلى المرحلة الأخيرة من الحرب على غزة، بتهجير السكان من هناك إلى الدول التي تمّ الاتفاق معها على استقبال الفلسطينيين؟.
هل هذا هو ما سيجري أم أنّ الأمر مجرّد خدعة اعتاد عليها الإسرائيلي، خصوصاً مع الرئيس الأمريكي النرجسي والأرعن ترامب والذي يبدو أنه يعاني مشكلة الجمود ويرغب بمواصلة لعبة “البازل” التي يريد من خلالها إعادة الهجوم على إيران وتدمير مقدّراتها مجدّداً بشكل أكثر قوة وحزماً؛ علماً أنه سبق وتمّت الإشارة إلى سيناريو الهجوم على إيران أكثر من مرة، خصوصاً مع تبيان ملامح التوجّه الإسرائيلي الساعي إلى صناعة منطقة تدين له بالطاعة العمياء.
الحالة الفلسطينية وكذلك اللبنانية والإقليم في هرج كبير، يعبث به الرأسمالي كيف يشاء، بينما تخنع الإرادة العربية لـ”دولة” الاحتلال الوظيفية الضعيفة والمهترئة، طمعاً في رضا الاستعمار الذي يستنزف خيراتها ومقدّراتها، بدلاً من التخندق خلف راية الأمة التي يجمعها التأريخ والدين واللغة، كأنّ على قلوب أربابها غشاوة، حيث لم يعد أيّ منهم يبصر المصيب من المصيبة.
ربما سيذهب “جيش” الاحتلال إلى محاصرة مدينة غزة وقتل أبطالها، لكنه أبداً لن يقتل إرادة شعبها أو يحطّم رغبته بالتحرّر من هذا الظلم الجاثم على صدور شعبنا الفلسطيني منذ أكثر من سبعة عقود، وستنتصر الإرادة عاجلاً أم آجلاً، فهذا الوقت سيمضي، والتأريخ لا ينسى، والثأر سيتحوّل في نفوس الأجيال القادمة إلى عملاق ضخم يبطش بكلّ أدوات الاستعمار قبل أن يعيد الأرض إلى أصحابها.



