في الحرب الحالية.. التضليل والخداع في المصطلحات والعبارات الإسرائيلية

بقلم: حماد صبح
شهدت الحرب الحالية وما فتئت تشهد أعلى مستويات الخداع والتضليل في المصطلحات والعبارات الإسرائيلية. مستويات تفوقت بعيدا حتى على ما عهد في مصطلحات إسرائيل وعباراتها السابقة من خداع وتضليل ابتداء من التخطيط لمشروعها الصهيوني الذي سماه أقطابهم الأوائل “عودة”، ووصولا إلى حرب 1948 لإقصاء الفلسطينيين من وطنهم الذي سمته الدعاوة الصهيونية “تحريرا واستقلالا”.
ومن المصطلحات المضللة والمخادعة في الحرب الحالية مصطلح “منطقة قتال خطير” وصفا لحال المنطقة التي تهم القوات الإسرائيلية البرية بدخولها. وهذا المصطلح، شأنه شأن المصطلحات والعبارات الأخرى، موجه للعالم الخارجي لإيهامه بأن الجيش الإسرائيلي يقاتل قوات كبيرة حسنة التسليح والاستعداد حتى إذا أكمل دخوله فيها حسب كثيرون في العالم أنه انتصر في معركة ضارية متكافئة أو شبه متكافئة.
وحقيقة المنطقة أنها خالية تماما من أي وجود للمقاومة الفلسطينية. ومرة دخلوا منطقة وادي السلقة خالعين عليها دلالة مصطلح منطقة قتال خطير، وحين غادروها أعلنوا أنهم قتلوا فيها مائة 100 “إرهابي”. وحقيقة من قتلوه عشرة مدنيين، منهم امرأتان مسنتان مريضتان، هدموا بيت كل واحدة تجريفا عليها أثناء نومها .
وساد في الحرب استخدامهم مصطلح مناطق آمنة عند طلبهم من مواطني أي منطقة مغادرتها بعد تصنيفها منطقة حمراء. ويرفقون طلب الإخلاء بدعوى مزيفة باطلة هي الحرص على سلامة المأمورين بالإخلاء الفوري. وحقيقة الحال أنه لا مناطق آمنة يقصدونها، فكل المناطق كانت طوال الحرب ومازالت عرضة للهجمات الجوية وقصف المدفعية، ولتقدم قوات برية نحوها. المقصود، كل المقصود، إغواء العالم وتضليله بمصطلحات وعبارات أبعد ما تكون عن الصلة بالواقع.
وشهدت الدنيا دماء وأشلاء مصطلح “مراكز توزيع المعونات ” كانت مصائد قتل جماعي لا رحمة فيه، خطط له سلفا. ولفكرة التهجير أو سرابه مصطلحاته وعباراته التي شارك فيها ترامب شخصيا في بلاهة وجهل وفظاظة مسرفة، مستهجنة كليا من رجل يرأس أقوى دولة في العالم.
وفي زيارته الأخيرة لواشنطن قال نتنياهو: “من حق الناس في غزة أن يهاجروا.”! يعرض نفسه في العبارة المضللة الكاذبة إنسانا يصطف في جانب مواطني قطاع غزة دفاعا مخلصا عن حقهم في الهجرة! سفه ما عقبه سفه، وغباء فاق كل غباء من مِهذار مِهذاء. ويستهدف إلى جانب سراب حلمه بتهجيرهم تغطية جرائمه في قتلهم وهدم عمرانهم وأساسيات حياتهم..
ويتفرع من هذا العبث المضلل تعبير مضلل مثله إلا أنه يفارقه للدلالة على حرقة الخيبة ومرارة حنظل الإخفاق. قالوا تفسيرا لإخفاق جنون حلم التهجير: “إن السكان لا يتعاونون معنا فيه”! يسمون مواطني قطاع غزة سكانا، وهي تسميتهم الرسمية المعتمدة لكل الفلسطينيين، ويصنفون تمسك الفلسطيني بوطنه عدم تعاون. إنها لغة أي بلدية حين تريد أن تقيم شارعا في حي من الأحياء، ويعترض بعض ساكنيه على الشارع لما قد يسببه من هدم لبيوتهم أو لأجزاء منها. تبسيط رهيب مخادع فتاك التضليل لهول مأساة التهجير. الدنيا تبدلت بسعة زاوية 180 درجة في ثورة القدرة على معرفة الحقائق والأحوال صورة حية مشهودة وصوتا مسموعا داويا في لحظة ما يقع في العالم من أحداث، ومن ثم تتحدد المواقف انبثاقا من دلالة هذه الأحداث لا انبثاقا من مستنقعات التضليل والخداع وظلامهما المصطنع المتأسن .
وخطوة تلو خطوة يقترب الإسرائيليون من استيعاب هذه الحقيقة في انصعاق منها وبغض لها. ولعل اعتذارهم الأخير من مجزرة مستشفى ناصر في خانيونس صدى باهت لهذا الاقتراب، فمن أدمن التضليل والخداع يشق عليه الانفلات من الالتصاق المزمن بهما والمدمن لهما إلا أن المقدمات تنتج دائما حتميات نتائجها، وستدفع إسرائيل غاليا ووجوديا فواتير تضليلها وخداعها. افعل ما شئت فإنك مجزي به، سنة إلهية لا استثناء فيها لأحد، ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا، ولا فرق في هذا بين سائر البشر، مؤمنهم وكافرهم، وتقيهم وفاجرهم، ومطيعهم وعاصيهم. هم في البداية خلق الواحد الأحد القاهر فوق عباده.



