اخر الأخباراوراق المراقب

الإمام الرضا (عليه السلام).. مدرسة العلم الإلهي

في خِضَمِّ اجتياح مذهبي ــ سياسي غزا الساحة الإسلامية بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وما رافق تلك الفترة من أحداث سياسية, كان من الصعب إعطاء أية فكرة أو انطباع عن الانحراف الكبير في الدين، والتشويه الذي لحق بالشريعة، والفوضى التي رافقت تأسيس تلك المذاهب، لأن تأسيسها كان بمباركة السلطتين الأموية والعباسية فعندما يحكم السيف لا يرى الإنسان إلا ما يراه الحاكم المتسلط وتترسخ قناعاته بما يفرضه على الشعب من سياسة جائرة ومفاهيم منحرفة حتى يصل الأمر إلى تنزيه الحاكم من كل الموبقات التي يرتكبها كما أسس لذلك معاوية عندما ابتدع المذهب الجَبري.

هذا المفهوم الذي طغى على الأمة الإسلامية على مدى قرون طويلة كان يعارضه على مدى مراحله مفهوم الدعوة إلى مفاهيم الإسلام الحقة وإصلاح الأوَدِ ومقارعة المنحرفين، وقد حمل لواء هذه الجبهة الأئمة المعصومون (عليهم السلام) وأصحابهم المخلصون منذ وفاة النبي (صلى الله عليه وآله).

ولسنا هنا بصدد الحديث عن نشأة هذه المذاهب وأصحابها ومعتقداتها وآرائها وأفكارها ومبانيها، والظروف والملابسات والأسباب التي رافقت تأسيسها وكيفية انتشارها وكل ما يتعلق بها، ولكن بصدد الحديث عما يتعلق بخط الإسلام الصحيح المتمثل بأهل البيت (عليهم السلام) الذين دلت عليهم علامات الإمامة الإلهية ومنهم الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) الوارث لعلومهم، والدليل إلى الله، والبرهان الحق، وخير أهل الأرض، وحجة الله على خلقه، والمؤدي أمانته.

النصوص على إمامته:

مما لا شك فيه أن الإمامة من حتميات الدين فبها يكتمل التشريع وتوضح السنة الشريفة وهي عِدْلُ القرآن كما بين ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقوله: (إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض فلا تتقدموهما فتهلكوا ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم).

وإضافة إلى النصوص الكثيرة على إمامة الأئمة الاثني عشر من النبي (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام) فقد كان كل إمام يعين خليفته وينص عليه بحضور أهل بيته وخاصته وأصحابه حتى لا يدعيها أحد من بعده، وهو ما فعله الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) حيث أوضح مكانة ولده الإمام الرضا (ع) وأنه الإمام من بعده، وأكد أنه وارثه ووصية في الإمامة وأوصى أهله وأصحابه بالرجوع إليه في عدة أحاديث، منها أنه (ع) كان يقول لبنيه:

إن ابني علياً أكبر وُلدي وأبرُّهم عندي وأحبهم إليَّ وهو ينظر معي في الجُفر ولم ينظر فيه إلّا نبي أو وصي نبي.

علمه

اتفقت أقوال المعاصرين والمؤرخين على أنه (عليه السلام) كان أعلم أهل الأرض ولعل أول ما يبرز في هذا الخصوص اعتراف المناوئين له بعلمه ومنهم المأمون العباسي الذي قال: (إني نظرت في ولد العباس وعلي فلم أجد مثل علي الرضا في علمه ودينه ولا أحق وأفضل منه)

وقال إبراهيم بن العباس الصولي: (ما رأيت الرضا سُئل عن شيء إلا علمه، ولا رأيت أعلم منه بما كان في الزمان إلى وقته وعصره، وكان المأمون يمتحنه بالسؤال عن كل شيء فيجيب عنه وكان جوابه كله انتزاعا من القرآن المجيد).

وقال القائد العباسي رجاء بن أبي الضحاك الذي بعثه المأمون لاستدعاء الإمام الرضا من مدينة جده: (والله ما رأيت رجلاً كان أتقى لله منه، ولا أكثر ذكراً له في جميع أوقاته ولا أشد خوفاً لله عز وجل…  كان لا ينزل بلداً إلا قصده الناس يستفتونه في معالم دينهم، فيجيبهم ويحدثهم الكثير عن آبائه عن علي عن رسول الله (ص) فلما وردتُ على المأمون سألني عن حاله في طريقه فأخبرته بما شاهدته منه في ليله ونهاره وظعنه وأقامته، فقال: بلى يا بن أبي الضحاك هذا خير أهل الأرض وأعلمهم وأعبدهم).

وقال ابن الجوزي في تذكرته والحاكم في تأريخه: (لقد أخذ العلم والحديث عن أبيه، وكان يجلس في مسجد رسول الله (ص) فيفتي الناس وهو ابن نيف وعشرين سنة).

وقال ابن الصباغ المالكي: (مناقب علي بن موسى الرضا من أجل المناقب وإمداد فضائله وفواضله متوالية كتوالي الكتائب وعجائب أوصافه من غرائب العجائب وسؤدده ونبله قد حل من الشريف في الذروة والغالب)

كان المأمون العباسي يعقد مجالس المناظرة ويدعو المسلمين والمتكلمين وعلماء الأديان الأخرى وأصحاب الدعوات ويدعو الإمام الرضا (ع) للمحاججة والحوار، فلا يخرج هؤلاء من المناظرة إلا وقد أقروا بعلم الإمام (ع) وفضله عليهم ويعبر الإمام الرضا (ع) عن هذه الحقيقة بقوله: كنت أجلس في الروضة والعلماء متوافرون فإذا أعيا الواحد منهم مسألة أشاروا إليَّ أجمعهم وبعثوا إلي بالمسائل فأجبت عنها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى