اخر الأخباراوراق المراقب

معاهدة صلح الإمام الحسن (ع).. النصر الأعظم للشرعية

مرتضى معاش..

ذكرنا في مقال سابق، ما هي القيم التي تقوم عليها السلطة الإلهية والنبوية والعلوية والحسنية الصالحة، فالسلطة ليست هدفا بل هي وسيلة، لتحقيق كرامة الإنسان وفتح الطريق أمامه لممارسة حريته والارتقاء بعزته ليتم بناء ذلك المجتمع الصالح، وذلك من خلال تحقيق أطر:

 1- الكرامة، 2- الأمانة للعدالة والإنصاف، 3- الرحمة واللين، 4- السلم، 5- الوفاء بالعقود والعهود، كأركان يقوم عليها بنيان السلطة الشرعية.

الإطار السادس: القيادة الصالحة

لا يمكن لأية سلطة أن تكون ناجحة أو لها غايات سامية ما لم تكن فيها قيادة صالحة، لذلك نقرأ في الزيارة الجامعة:

 “اَلسَّلامُ عَلَيْكُمْ يا اَهْلَ بَيْتِ النُّبُوَّةِ وَمَوْضِعَ الرِّسالَةِ وَمُخْتَلَفَ الْمَلائِكَةِ وَمَهْبِطَ الْوَحْيِ وَمَعْدِنَ الرَّحْمَةِ وَخُزّانَ الْعِلْمِ وَمُنْتَهَى الْحِلْمِ وَاُصُولَ الْكَرَمِ وَقادَةَ الاْمَمِ وَاَوْلِياءَ النِّعَمِ وَعَناصِرَ الاْبْرارِ وَدَعائِمَ الاْخْيارِ وَساسَةَ الْعِبادِ وَاَرْكانَ الْبِلادِ وَاَبْوابَ الإيمانِ وَاُمَناءَ الرَّحْمنِ” فالقيادة الصالحة تعمل على تشكيل البناء المعنوي للإنسان والمجتمع بتحصين وجوده في تقواه وفضائله الاخلاقية.

أمَّا السلطة الفاسدة فإنها قد تشتغل على بناء الوجود الخارجي المادي فقط، من دون تحقيق قيمة الإنسان الداخلية، وإنْ كانت في حالات كثيرة تؤدي الى التدمير الشامل، لذلك نلاحظ الفرق بين القيادة الصالحة وهم أئمة اهل البيت عليهم السلام، والقيادة الفاسدة وهم الأمويون، حيث قاد معاوية الأمة إلى الانحراف الشديد والانهيار الشامل عقائديا وأخلاقيا والعيش بذلة وانكسار وتخلف وفقر.

الإمام علي يخاطب معاوية في كتابه فيقول: (وَمَتَى كُنْتُمْ يَا مُعَاوِيَةُ سَاسَةَ الرَّعِيَّةِ وَوُلَاةَ أَمْرِ الْأُمَّةِ بِغَيْرِ قَدَمٍ سَابِقٍ وَلَا شَرَفٍ بَاسِقٍ) فهؤلاء يقودون نحو البؤس، لذلك نرى الفرق الشاسع بين معاوية الميكافيلي الانتهازي الذي قاد الأمة نحو الشقاء والرذيلة والخيانة والتسافل، وبين الإمام علي (عليه السلام) الذي ارتقى بالإنسان عبر المبادئ الإلهية والفضائل السامية الى القمم الباسقة.

لذلك فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) خاطب الإمام علي (عليه السلام) حول معنى السلطة، بقوله: (يا علي أنت بمنزلة الكعبة تُؤتى، ولا تأتي فإنْ أتاك هؤلاء القوم فسلموها إليك -يعني الخلافة- فاقبل منهم، وإن لم يأتوك فلا تأتهم حتى يأتوك) فلا معنى للسلطة إن لم تكن مشروطة بالإصلاح ووعي الناس بالقيادة الصالحة وطاعتهم لها واجتماعهم حولها.

فالإمام علي وأئمة أهل البيت (عليهم السلام) لهم العصمة والتقوى والقيادة الصالحة، لكن لابد للأمة أن تكون لها معرفة بهذه القيادة الصالحة المعصومة من خلال الطاعة والالتزام والاتباع، والوعي بغاياتها من الخير والحق والصدق والعدالة، فالمعرفة والوعي والتقوى شروط أساسية في طاعة المعصومين (عليهم السلام).

وعندما لا تتحقق هذه الشروط تصبح السلطة بيد الفاسدين والطغاة، الذين يسعون وراءها بأي ثمن وبأي وسيلة كانت من وسائل الشر والخداع والتضليل والتلاعب بعقول الناس وتصبح السلطة هي الغاية والوسيلة، كما فعل معاوية حيث يقول الإمام علي عليه السلام:

(وَاللَّهِ مَا مُعَاوِيَةُ بِأَدْهَى مِنِّي وَلَكِنَّهُ يَغْدِرُ وَيَفْجُرُ وَلَوْ لَا كَرَاهِيَةُ الْغَدْرِ لَكُنْتُ مِنْ أَدْهَى النَّاسِ وَلَكِنْ كُلُّ غُدَرَةٍ فُجَرَةٌ وَكُلُّ فُجَرَةٍ كُفَرَةٌ وَلِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يُعْرَفُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهِ مَا أُسْتَغْفَلُ بِالْمَكِيدَةِ وَلَا أُسْتَغْمَزُ بِالشَّدِيدَةِ).

فالغدر من سلوكيات الخائنين، أما المؤمن فلا يغدر، لأنه واضح وصريح، ولن يسلك طريق النصر بالوسائل السيئة والغادرة، مثلا بشراء الذمم والانقلابات والاغتيالات والتسقيط والقمع والتضليل، فهذه من الصفات المتلازمة للسلطة الغاشمة والفاسدة التي ترتع بالخيانة.

وعن الإمام علي (عليه السلام): (أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الْوَفَاءَ تَوْأَمُ الصِّدْقِ وَلَا أَعْلَمُ جُنَّةً أَوْقَى مِنْهُ وَمَا يَغْدِرُ مَنْ عَلِمَ كَيْفَ الْمَرْجِعُ، وَلَقَدْ أَصْبَحْنَا فِي زَمَانٍ قَدِ اتَّخَذَ أَكْثَرُ أَهْلِهِ الْغَدْرَ كَيْساً وَنَسَبَهُمْ أَهْلُ الْجَهْلِ فِيهِ إِلَى حُسْنِ الْحِيلَةِ مَا لَهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ قَدْ يَرَى الْحُوَّلُ الْقُلَّبُ وَجْهَ الْحِيلَةِ وَدُونَهَا مَانِعٌ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ فَيَدَعُهَا رَأْيَ عَيْنٍ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا وَيَنْتَهِزُ فُرْصَتَهَا مَنْ لَا حَرِيجَةَ لَهُ فِي الدِّينِ).

الفرق بين الخليفة والملك

لذلك في الواقع الخليفة ليس بخليفة إلا الإمام المعصوم (عليه السلام) فهو خليفة رسول الله، أما غيره فيُسمى ملكا، ولذلك خاطب الإمام الحسن معاوية بقوله أنت ملك ولست بخليفة، فقد ورد في التواريخ (أن معاوية أمر الحسن أن يخطب لما سلم الأمر إليه وظن أن سيحصر، فقال في خطبته: إنما الخليفة، من سار بكتاب الله وسنة ونبيه (صلى الله عليه وآله). وليس الخليفة من سار بالجور. ذلك ملك، مَلَكَ مُلكاً يُمَتّعُ به قليلاً، ثم تنقطع لذته وتبقى تبعته، وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين)، وهنا بين الامام الحسن (عليه السلام) ماهي القيادة الصالحة ومن هي، وبين القيادة الفاسدة ومن هي..

وكذلك ورد عن الإمام الحسن (عليه السلام): (ويلك يا معاوية إنما الخليفة من سار بسيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعمل بطاعة الله ولعمري إنا لأعلام الهدى ومنار التقى ولكنك يا معاوية ممن أبار السنن وأحيا البدع واتخذ عباد الله خولا ودين الله لعبا فكان قد أخمل ما أنت فيه فعشت يسيرا وبقيت عليك تبعاته).

فهذا الملك الفاسد ليس له هم إلا استعباد الناس، واتخاذهم عبيدا يتلاعبون بهم ويجعلونهم وقودا يحترق في الفتن. لذلك فإن معاوية ليس عنده أية شرعية، وليس لديه أي دافع غير السلطة التي قد يتمتع قليلا في هذه الدنيا، ومواقفه في التأريخ كشفت عن نواياه السيئة، فعندما رجع الإمام الحسن (عيه السلام) بعد المعاهدة إلى الكوفة وسار معاوية إلى النُخيلة وهو موقع قرب الكوفة، وخطب خطبة كشفت للتأريخ من هو معاوية حيث قال:

(إنّي والله ما قاتلتكم لتصلّوا ولا لتصوموا ولا لتحجّوا ولا لتزكّوا، إنّكم لتفعلون ذلك، ولكنّي قاتلتكم لأتأمّر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم له كارهون، ألا وإنّي كنت منّيت الحسن وأعطيته أشياء، وجميعها تحت قدميّ لا أفي بشيءٍ منها له).

فلم يُبقِ شيئا للقرآن والعقل، والكرامة والانسانية، وانتهك المواثيق وخان الأمانة، ولم يُبق شيئا لقيم الوفاء والالتزام والاحترام والمسؤولية التي ترتبط بالهوية الانسانية. لذلك فإن أهم هدف في قضية الصلح كان إثبات أهداف معاوية الخبيثة.

ما هي بنود المعاهدة؟

صلح الإمام الحسن (عليه السلام) هو معاهدة وليس تنازلا أو انسحابا، لأن الشروط كانت واضحة جدا، وهذه المعاهدة انتصر فيها الإمام الحسن (عليه السلام)، وإن كان معاوية هو الذي نال السلطة مؤقتا، لكن الظروف هي التي أدت الى ذلك، منها ما قاله الرسول صلى الله عليه وآله للإمام علي (عليه السلام): (يا علي أنت بمنزلة الكعبة تُؤتى، ولا تأتي..)، وهذه قاعدة ثابتة لكل الائمة (عليهم السلام)، فالإمام الحسن (عليه السلام) في ذلك الوضع كان لا يُؤتى، فالناس تخلوا عنه، ولو أراد أن يحارب كان لابد عليه أن يستخدم نفس الأساليب التي استخدمها معاوية في الغدر والفتك وشراء الذمم والامام الحسن (عليه السلام) لم يفعل ذلك.

وعندما تخلى الناس عنه، أصبح في حِلٍّ من بيعته، وبالتالي أراد أن يحقن الدماء، وأن يؤسس لصلح يكشف به عن الزيف ويمنع منح الشرعية لمعاوية، ولو أن في تلك الظروف لم يكن هناك صلح واستمرت الحرب وانتصر معاوية فيها، لأصبح في التأريخ هو الحاكم الشرعي، لكن التأريخ الآن يتحدث عن كونه مجرد طاغية يحارب لأجل السلطة، لذلك حتى ابن تيمية قال عن معاوية أنه مجرد ملك.

كانت معاهدة الصلح مع معاوية تتضمن عدة شروط مهمة، يمكن من خلالها معرفة الحكمة في موقف الإمام الحسن (عليه السلام):

شرعية الحاكم

الشرط الأول: يلزم على معاوية أن يعمل بكتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وآله).

فالحاكم الذي لا يعمل بكتاب الله وسنة رسوله ليس شرعيا، ولكن معاوية قال بعد الصلح: (ما قاتلتكم لتصلّوا ولا لتصوموا…)، وبقوله هذا انتهك الشرط الأول وسلب الشرعية عن نفسه بنفسه.

سلطة انتقالية مؤقتة

الشرط الثاني: أن يكون الأمر للحسن عليه السّلام من بعده، فإن حدث به حدث فلأخيه الحسين، وليس لمعاوية أن يعهد به إلى أحد.

وهذا استشراف للمستقبل، ويعني أن سلطة معاوية مؤقتة، ومجرد حاكم انتقالي، أو سلطة انتقالية وليس بخليفة، وهذا الحاكم المؤقت والسلطة المؤقتة يعني أن أحكامه ليست نافذة، وإنما تمشية أمور، أو (حكومة تصريف أعمال)، وأية حكومة مؤقتة في العالم تكون سلطتها انتقالية، وليس لها أي دور قانوني، وقراراتها ليس لها قيمة دستورية.

لذلك الحكومة التي تليها تُلغي كل قراراتها، لأنها تعد مجرد سلطة مؤقتة ظرفية، فالإمام الحسن عليه السلام، بهذا الشرط يؤكد عدم شرعية حكم معاوية، وعدم شرعية يزيد بل إن ما فعله معاوية بتولية يزيد يُعد انقلابا عسكريا، وقد كان الامام الحسين (عليه السلام) بحكم الوثيقة هو الحاكم الشرعي بعد استشهاد الامام الحسن (عليه السلام).

إيقاف التضليل الإعلامي

الشرط الرابع: أن يترك سب أمير المؤمنين (عليه السلام)، والقنوت عليه بالصلاة، وألا يذكر علياً (عليه السلام) إلا بخير.

وهذا الشرط بمثابة إيقاف للتضليل الإعلامي، الذي كان يمارسه معاوية. وهو شرط سيؤدي الى كشف وزيف الحاكم الفاشل والفاسد، وحينئذ يُعرف الفرق بين الصالح والطالح، فالصالح توجد عنده حدود، لا يغتاب الآخرين، ولا يتهم أحدا باطلا، ولا يسقّط الآخرين، لا يستخدم ولا يستعين بالرذائل لتدمير سمعة الآخرين.

بينما الذي عنده سلوك ساقط فاسد ليس عنده أي رادع، وليس لديه حدود، يسب الآخرين، ويشتم، ويسقّط ويتهم ويعمل كل شيء، وإذا انتشر الفساد فبسبب الأساليب التضليلية لأولئك الفاسدين، وهذه المعاهدة أثبتت شيئا مهما هو ماذا كان معاوية.

حماية الشيعة من الإبادة

الشرط الخامس: ألّا يأخذ أحداً من أهل العراق بإحنة، وأن يؤمن الأسود والأحمر ويحتمل ما يكون من هفواتهم، ولا يتعرض لأحد منهم بسوء ويوصل إلى كل ذي حق حقه.

وهذا الشرط هو حماية الناس من الإبادة، وخصوصا الشيعة، لأن معاوية كان عنده مشروع لإبادة الشيعة ولو كانت إبادة الشيعة مستمرة لما بقيَ أحد منهم ، لذلك هذا بند ذكي لتحقيق الأمن الاجتماعي وحقن الدماء وحماية الناس من الملاحقة.

ولو أن معاوية بالنتيجة لم يعمل بالمعاهدة كثيرا لكنها مع ذلك كانت رادعا له، ومن نتائجها حماية الشيعة من الإبادة كليا. كما أنها تُعتبر وثيقة تأريخية صادق عليها معاوية تكشف عن جرائمه في القتل والذبح والاستباحة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى