اخر الأخبارثقافية

في الجنوب

مالك البطلي
في الجنوب
لا أحد يعلّم الأطفال التمثيل
هم يولدون
وفي أيديهم كفّ العباس
المقطوعة
وفي صدورهم صوت الناعي قبل أن ينطقوا ( يمه )
يخطون كربلاء بالطباشير على جدران الأزقة
ويصرخ أحدهم
أنا الحسين، لا تتركوني!
فيركض الجميع ليلبسوا وجه الأصحاب
في المساء تنام الألعاب مفجوعة
وتُغطى بالرايات السود
كأنها
أيتام في خيمة محترقة
ينتظرن رقية
لتقصّ عليهن حكاية الخيمة الأخيرة
في الجنوب
حتى قصص النوم
لا تبدأ بـ كان يا ما كان بل بـ حين عطش الرضيع…
ينامُ الصغار على وخز دمعة
ما زالت دافئة
ويحلمون بسهم أقل حيرة من القدر
الطفولة هنا ليست براءة البدايات
إنها مقتل مؤجل يُعاد كل عاشوراء
بأصوات مبحوحة
وأكف متفطّرة
تصفع على صدور
لا تحتمل شهقة الأقراط
الرسم؟
ليس شمسًا وبيتًا وشجرة
إنما خيمة مخنوقة بجدائلها
وناقة تمشي
وزينب فوقها
تجرّ صبرها من خاصرة الحريق
وعيون تلاحقها
تخاف أن تبكي أمام العدو
فيسقط النبأ
في الجنوب
لا يُقرع الباب
لكنهم ينادون
هل مرّ الحسين من هنا؟
وفي كل زقاق
ظلُّ زينب يخبّئ دمعته في القماش
ويشم أطراف العباءة
ليرى إن كانت
ما زالت تحمل رماد الخيمة
لا يكتب الشاعر قصيدتَه
ينوحها
ويستحمّ بالطين ويسخم جبينه
قبل أن يقول
مولاي… سامحني
وحتى الأطفال لا يلعبون إلا بعطش وهمي
يمثلون دور الرضيع
بكل صدق
ويُغلقون أعينهم حين يقول أحدهم
يا سهم… كن خفيفًا
في الجنوب
ما من امرأة تولد
إلا ويُسجل في دفترها
(تُجيد النعاوي)
الجدّات لا يعرفن الوصايا
إلّا حين يربطن جدائلهن على باب خيمة احترقت
ويقلن للصغار
لا تناموا… زينب تسهر وحدها
في الجنوب
نشدّ رؤوسنا بعِصابة كي لا تتبعثر ذاكرة النواح
حين نسمع (يا أبا علي)
تمر في الحناجر كأنها جمرة
هاربة من رداء كربلاء
حتى اللطم
ليس لطمًا
بل وضوء جديد قبل أن نلتحق
بكسرة زينب
ونُقدم دموعنا في غصن صوتها
هنا
كلّ دمعة هي زينب
وكل قلب هو ضلع مكسور
وكل (يا ستار)
هي محاولة فاشلة
لستر نحيب يسكن الحناجر
حين تمشي القصيدة
في شوارع الناصرية
تعرج على كلّ بيت وتلطم الباب
بأكف الأمهات
وتقول
كومن… العباية تبچي وحدها
الطين هناك
ليس طينًا
إنه فريضة ودمعة يابسة
سالت من خد متفطّر إلى عتبة حسينية
ثم غفى طويلًا
وفي كل بيت خزانة فيها عباءة
لا تُغسل
لأنها امتصّت عرق اللطم وحفظت بحة الريزخون
كأنها مصحف لا يُمس
إلّا بطهارة النشيج
فإذا مشيت يومًا
في الجنوب
وحسبت أن الطريق موحل
فلا تمسح قدميك
إنها دموع قد سقطت
من جبهات
صرخت في عزاء العاشر
(أكشَر هالصباح)
هنا
لا يُقال صباح الخير
في يوم العاشر
يقولون
بعدك تبچي
كأن البكاء صلاة
وكأن الدمع
هو الوضوء الوحيد المسموح به.!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى