دعاء الإمام زين العابدين (ع).. التحول من البغضاء إلى المحبَّة

صباح الصافي..
في مسيرة الإنسان الحياتيَّة، لا يخلو الطَّريق من خصوم، ولا يصفو الجوّ دومًا من العداوات والشَّنآن؛ فكم من أناس نلتقيهم يتَّخذون من البغض والحقد، موقفًا دائمًا ووسيلةً للتَّعامل، وقد يتحوَّل بعضهم إلى أهل شنآن؛ أي ممَّن صار الحقد طبعًا لهم، لا مجرَّد موقف عابر أو انفعال مؤقت.
هذه الظاهرة ليست جديدة في حياة الناس، ولا غريبة عن واقع المصلحين، فقد عاشها الأنبياء والأولياء (عليهم السلام)، وواجهها أهل البيت (عليهم السلام)، فتعاملوا معها بروحٍ أخلاقيَّة عالية، ومنهجٍ ربَّاني واضح: ليس فقط لأجل النَّجاة من الأذى؛ وإنَّما تحويل العداوة إلى مودَّة، والكراهيَّة إلى محبَّة.
في دعاءٍ بليغ من أدعية الإمام زين العابدين (عليه السلام)، نتوقف عند جملة قصيرة في لفظها، عميقة في معناها، عظيمة في مقاصدها التَّربويَّة والاجتماعيَّة: “اللَّهُمَّ وَأَبْدِلْنِي مِنْ بِغْضَةِ أَهْلِ الشَّنَآنِ الْمَحَبَّةَ“.
إنَّه دعاء يحمل في طيَّاته مشروعًا أخلاقيًا متكاملًا، لا يقتصر على طلب الحماية من شرِّ أهل البغضاء؛ وإنَّما يسعى لتحويل الخصوم إلى أولياء، عبر مفاتيح الدُّعاء والعمل، والحِلم والإحسان، وبيان الحقِّ بالحكمة، والتَّعامل بروح الإسلام.
في هذا المقال، سنغوص في المفاهيم العميقة لهذه العبارة المباركة، وسنستعرض معًا كيف يمكن للإنسان أن يتحرَّر من دوائر الكراهيَّة، ويصنع التَّغيير في القلوب – حتَّى في قلوب أشدِّ النَّاس عداوة – ليصبح كما قال الله (تعالى): (فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ).
وسيكون ضمن محاور عدَّة:
المحور الأوَّل: الشَّنآن لغة واصطلاحًا.
الشَّنآن لغةً: “شنأ: الشَّناءَةُ مثل الشَّناعةِ: البُغْضُ.
شَنِئَ الشَّيءَ وشَنَأَه أَيضًا… وشَنَآناً وشَنْآنا، بالتَّحريك والتَّسكين: أَبْغَضَه.
وقرئَ بهما قوله تعالى: (ولا يَجْرِمَنَّكم شَنآن قَوم).
فنعرف من ذلك، أنَّ المعنى الاصطلاحي لأهل الشنآن؛ هم الذين امتلأت قلوبهم بالبغضاء والعداوة، وتطبَّعوا على الحقد وسوء النِّيَّة، فلا شاغل لهم إلَّا إيذاء النَّاس، يلدغون كالعقارب؛ قال (تعالى): (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ) أي مبغضك.
وبعد أن عرفنا المعنى اللغوي والاصطلاحي قد يتبادر إلى الذهن هذا السُّؤال: إذا كان الشَّنآن البغض؛ فما هو الدَّاعي من استخدام كلمة بغضة أهل الشَّنآن؟
وبعبارة أخرى: الشَّنآن في اللغة هو البغض الشَّديد، وقد يشكل البعض، أنَّ قول الإمام (عليه السلام): “بغضة أهل الشنآن” فيه تكرارٌ أو تأكيد زائد؛ لأنَّ الشَّنآن نفسه بغض، فلماذا أُضيفت “بغضة”؟.
والجواب على ذلك يكمن في بلاغة التَّعبير ودقَّته:
أوَّلًا: لا يتحدَّث الإمام (عليه السلام) عن أي بغض؛ بل عن البغض المتجذِّر الذي يصدر من صنف مخصوص من النَّاس، وهم “أهل الشنآن”. و”بغضة أهل الشنآن” في هذا الدعاء تعني بغضًا مَرَضيًّا مقصودًا، ناتجًا عن طبعٍ فاسد، لا عن خلاف عابر أو انفعال مؤقت.
ثانيًا: الفرق بين “الشَّنآن” و”البغضة” من حيث النيَّة والاستمراريَّة، أنَّ “الشنآن” لا يشير فقط إلى البغض؛ وإنَّما إلى البغض المستمر الملازم للعداوة وسوء الخلق. و”بغضة أهل الشنآن” تعني: “أعلى درجات البغض وأشدها أثرًا في العلاقات الاجتماعيَّة”.
ثالثًا: التَّعبير يوصل رسالة أخلاقيَّة دقيقة، وأنَّ الإمام (عليه السلام) لا يطلب النَّجاة من عداوة عاديَّة؛ ولكن يطلب من الله (سبحانه) أن يحوّل الحقد الرَّاسخ في قلوب أهل الشَّنآن إلى محبَّة، وهنا تظهر روح الإصلاح والتَّسامح، لا مجرَّد طلب السَّلامة.
المحور الثَّاني: الأسباب العميقة لبغضة أهل الشنآن
في طريق الحياة، لا يخلو المرء من أناسٍ لا يطيقونه، وكذلك يتمنَّون له السقوط ويعملون على إيذائه، من دون سبب واضح أحيانًا؛ وهؤلاء في الغالب ينتمون إلى صنف خطير في المجتمع يُعرفون بـ”أهل الشنآن”؛ أي الذين جعلوا من البغضاء والحقد طبعًا وسلوكًا دائمًا.
ولكن لماذا يُبغض الإنسان؟
وما الذي يدفع هؤلاء إلى امتلاء قلوبهم بهذا القدر من الكراهيَّة؟
دعونا نتأمَّل في بعض الأسباب العميقة التي تدفع أهل الشَّنآن إلى الحقد والبغض:
- الطبع الخبيث وحب الأذى: بعض النُّفوس تنشأ على الخبث وسوء السجيَّة حتَّى يصبح الأذى بالنسبة لهم عادةً متأصِّلة؛ ومتعة يمارسونها بلا سبب واضح، وليس الأمر خلافًا أو ردّ فعل على موقف، وإنَّما هو طبع فاسد يجعلهم يستلذّون بإثارة الفوضى وزرع الكراهيَّة، كما تنفث العقارب سمَّها بطبيعتها، لا لعداوة مخصوصة، فإنَّهم لا ينتظرون مبررًا لبغضك، فقد يكفي أنَّك بخير، أو أنَّك موجود، حتَّى يتحرَّك فيهم ذلك الميل الغريب نحو الكيد والتَّشويه.
- الحسد على النِّعم: قد لا تكون أسأت إلى أحد، ولا اقترفت ذنبًا في حقِّهم، ومع ذلك تُقابل بالبغضاء والجفاء، والسبب ليس فيك؛ وإنَّما فيما وهبك الله (تعالى) من نِعمٍ يتمناها غيرك: مثل امتلاك الجمال والشكل الحسن، أو العقل الراجح، أو الخُلُق الرفيع، أو المكانة المرموقة بين النَّاس، أو الأثر الطيِّب في قلوبهم، وهذه الأمور التي يُفترض أن تُثير الإعجاب قد تُوقظ الحسد في قلوب الضعفاء، فيغدو الإعجاب غيرةً، ثمَّ يتحوَّل إلى كراهية دفينة؛ فأصحاب النفوس المريضة لا يطيقون رؤية الخير يتألَّق في غيرهم، فيسعون للنَّيل منك لا لذنب اقترفته؛ ولكن لأنَّك انعكاس لما يتمنَّونه لأنفسهم ولا يملكونه.
- النَّجاح والتَّفوق يثير الغيظ: حين تتراكم إنجازاتك، وتتكوَّن لديك تجربة صادقة وسجل مشرق، قد يباغتك الحقد من أماكن غير متوقعة؛ فالنَّاجحون كثيرًا ما يُستهدفون، والعداوة لا تنشأ نتيجة خطأ ارتكبوه، إنَّما بسبب ما قدَّموه من خير، وما بلغوه من تميُّز؛ لأنَّ بعض النفوس المريضة لا يثيرها الفشل، ولكن يزعجها النَّجاح حين يكون في يد غيرها، فتتحوَّل نظراتها من المتابعة إلى المراقبة، ومن الإعجاب إلى الضَّغينة، لا لشيء سوى أنَّ حضورك يذكِّرهم بما لم يستطيعوا تحقيقه.
- البغض المدفوع بالأجندات: ثمَّة من لا يحمل في داخله حقدًا نابعًا من تجربة شخصيَّة أو ضغينة حقيقيَّة؛ لكنَّه يتحوَّل مع الوقت إلى أداة بيد الآخرين، ويُستغل في حملات التشويه والإساءة، ويوجَّه نحو أفراد أو جماعات أو مؤسسات من دون أن يكون له موقف نابع من ذاته؛ فهم يبغضون؛ لأنَّ أحدًا وجَّههم إلى الكراهيَّة، ويهاجمون بالكلمات الجارحة والافتراءات؛ لأنَّهم دُفعوا إلى ذلك، لا بسبب إيمانهم به، وهكذا يصبح بعض النَّاس مجرَّد ألسنة للإيجار، يصرخون بما يُطلب منهم، ويهاجمون من يُشار إليهم بدافع الولاء الأعمى أو المصلحة المؤقتة.



