اخر الأخبارثقافية

الحصالة

علي داخل..
دسً جسده بين العمال من أقرانه، يقرض أظفاره بأسنانه بعصبيّة، يعلم أنّ الصباح سينتهي ويتبدد معه آخر أمل له في الحصول على الخمسة وعشرين ألفا.
ظل صامدا على الرغم من أنً العمّال الّذين لم تحن لهم فرص للعمل بدأوا بالانسحاب واحداً تلو الآخر.
في طريقه إلى البيت تخطًى أبا سلمى شارعهم الذي تجمعت فيه أفخر أنواع السيارات التي تصطفّ على الجانبين، تحاصره وتضيّق عليه الطريق.
فضّل ان يمشي بشكل أفقي، حتى وصل الى البيوت الفقيرة الملاصقة لبيته.
هناك… كانت سلمى تنتظره كعادتها، كي تحصل منه على بعض القطع النّقدية التي تحشرها في حصالتها .
كرّرت أمامه المشهد نفسه الذي كان لا يمل منه حيث تحرك السبابة والإبهام بطريقة كوميدية مع ابتسامتها المشرقة ثم تمرر يديها على شعرها الطويل لتشكّل مشهدا يبهجه على الدًوام .
ابتسمت في وجهه وقالت له : الباقي عشرة أيام) .
دس يده في جيبه لكنه في هذه المرة نظر إلى أمها ممتعضًا ، والتفت الى وجه سلمى مبتسماَ :(خذي بابا) :هذا الف دينار.
اخذته بفرحة عارمة تزامنت مع التشكرات والدعوات .
تركته يراقب حركاتها وركضت مسرعة لترمي النقود في حصالتها ، وتشطب على ورقة ملصقة على الحصّالة بأناقة وألوان زاهية جدولا مرتبا ، كتبت تحته” الباقي عشرة أيام” ضحكت فرحة مصفقة .

في اليوم التالي أعادت جملتها المعتادة على أبيها، حال وصوله ، لكنه صدمها، حيث لم تستطع ملامح وجهه أن تخفي ما في النفس من كدر، فلم يبتسم كالعادة، رغم انه تدرب على ذلك وهو في الطريق إلى بيته ، ولم يردً على جملتها بكلمة واحدة. واكتفى بقبلة خاطفة لامست ضفيرتها مستديرا بظهره قاصدا المطبخ، ليلتقط قطعة من الخيار الذي كانت زوجته لغرض تقطيعه .
ثمّ رمى مفتاح البيت فوق الكنبة وجلس مهموماً يقرض الخيار بعصبية .
ظلت سلمى واقفة متجمّدة. حملقت فيه ثمً وضعت يديها على خصرها وقد انحدرت دمعة على خديها وهي تتأمل حصالتها.
سالته أمها:
-أولم تعطها بعض النقود كما تعوًدت؟
-لا . ليس لي مال. لا يوجد عمل، منذ ايام اذهب واعود خائباً.
أجابته زوجته :

  • لا تهتم، ولا تحزن فقط لا تظهر غضبك وكآبتك أمام ابنتنا الوحيدة.
    -صدقيني لا أتصنع الغضب فأنا حقاً كئيب.
    -سلامتك من الهمّ يا حبيبي، أزمة وتعدي.
    لم يستطع ابو سلمى النظر بوجه ابنته، حتى دمعت عيناه، فحول بصره إلى الأعلى…
    رن هاتفه :
    -اين انت؟
    -في البيت
  • تعال، لتنقل كومة من الأنقاض. تعال ساعطيك مائة ألف
    -مائة الف؟ كيف هل الكمًية كبيرة؟
    -لا ياصديقي، لكن صاحب البيت عرض عليّ إنّه سيدفع مائتين وخمسين ألفا حال نقل الأنقاض، سأعطي لسيارة النقل خمسين ألفا والبقية سنتقاسمها أنا وأنت.
    -ياالله، انها التفاتته…
    أغلق الهاتف، وركض إلى سلمى، يحتضنها ويقبلها قائلا :
    -لا تبكي يا صغيرتي إنّه مقلب، ساعطيك ما تشائين كي تقيمي موكبك الحسيني .
    عانقتهُ فرحة مستبشرة.
    في صباح يوم المحرم، احتضنت سلمى حصالتها بتأنّ. ثمً فتحت بابها لتلقي نظرة على كومة النقود المستقرة داخلها. نادت امها:
    -هيّا لنذهب الى السّوق، لنجهّز الموكب .
  • حبيبتي مازال الوقت مبكرًا.
    -إذن ساجلس عند الباب انتظرك
    -معاندة، طيّب اجلسي لنفطر أوًلا.
    -حاضر ماما، عندما يجهز الطعام نادي عليّ.
    ظلت تلعب أمام الدار متمنّية لو ان الوقت يسرع، ولا تعلم بعد أنه الأسرع في هذه الحياة الدنيا.
    سمعت جارتهم أم طاهر وهي تخرج من بيتها قائلة:
    -سأطلب من أبي سلمى أن يقرضني مبلغا من المال لنذهب الى المستشفى.
    كان صوت زوجها المتألم يصل إلى سمع سلمى
    التي وقفت قائلة :
  • خالة أم طاهر سمعكم أبي وسيوفر لك المبلغ المطلوب
  • فدوة( شيطلع منكم) ،وسنرده لكم قريباَ ،الله يحفظكم .
    دخلت سلمى وخلف الباب أفرغت حصالتها وسلمت كل المبلغ إلى الجارة.
    عند دخولها تفاجأت بأبيها مع امها يبتسمان :
    سمعنا كل شيء، بوركتِ ابنتنا هذا ما يريده الحسين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى