مسرحية “الدكتاتور”.. الجنرال الزائف الذي يحكم البلاد بالحديد والنار

كرسيٌّ واحد، طاولتان صغيرتان، وهاتفان، كل شيء في مكانه، كما لو أن الزمن توقف في هذه الغرفة، في المنتصف، الكرسي يحتل المشهد. الطاولتان أمامه لا تُزاحمانه الضوء بل تخدمانه: هاتفان هما صلة الوصل لقمع كلّ أنواع التواصل بين السلطة والشعب، المسافة بين الوهم والواقع.
على الجدار، خريطة باهتة تلمّح إلى أراضٍ “خُضعت” في حلم. وحبل يتدلّى في الخلفية، لا يتحرك، لكنه لا يغيب عن العين: وعدٌ بالعقاب، ظلّ يتأرجح مع كل لحظة توتر. هذا هو مسرح “الدكتاتور” كما أراده شادي الهبر، في عرضه الذي قدّمه على خشبة مسرح المونو في بيروت، إنه فضاء مكشوف لا يخفي شيئًا، ولا يحتاج إلى أكثر من رموزه.
من هذه اللغة البصرية القاسية تبدأ المرآة تسافر بها المسرحية إلى قلب السلطة الفردية، لتخبرنا: الطغيان لا يظهر فقط في القائد، بل في كل من يشاركه خنوعه وصمته، على هذه الخشبة، يُروى نص عصام محفوظ العبثي، حيث الجنرال الزائف الذي يحكم البلاد بالحديد والنار، وسعدون، مرافقه الوحيد، الذي يحمل في وجهه انعكاس ذلك القهر، يقلّد سعدون صوته ونبرة كلامه، يرفع حاجبه بطريقة متطابقة، ينقل إلينا بأدائه كيف تُمحى الهويات، وكيف يُعاد تشكيل الفرد كائناً سلبياً مُخلّع الهوية.
لكن عندما يحين الانقلاب، تنقلب الأدوار فجأة، سعدون يتقمّص اللحظة، ويغدو هو المتحكم، فيما يتراجع الدكتاتور إلى داخل هشاشته، الكراسي تقود اللعبة: كل من يجلس يدرك أنه ليس حرًّا من ذاته، بل تحت مراقبة أسمى – الملك، يظهر لنا المشهد أن السلطة دوّارة، وأن من يعتقد نفسه الحاكم، قد تُبدّل الأدوار معه في لحظة.
يعيد هذا العمل فتح جراح الذاكرة السياسية العربية، ويختبر قدرتنا بوصفنا جمهوراً على مواجهة الاستبداد من خلال الفن، في قراءة جديدة تجمع بين الرمزية العالية والطرح المعاصر، من دون أن تفقد النص زخمه الأصلي أو نبرته الساخرة اللاذعة، العمل الذي كتبه عصام محفوظ في سبعينيات القرن الماضي، يعود اليوم ليؤكد، أن الدكتاتوريات، وإن تغيرت أقنعتها مازالت تهيمن على المشهد العربي، وأن مواجهة الطغيان لا تزال مهمة الفن الأولى.
مسرحية “الدكتاتور” كما كتبها محفوظ، تحمل طابعًا عبثيًّا سياسيًّا، تدور حول العلاقة بين السلطة الفردية والقمع، واستسلام الناس لها. تحكي عن جنرال دكتاتور يَحكم البلاد بالحديد والنار، ومرافقه الوحيد في المسرحية، سعدون، وهو انعكاس شعبي للمواطن المسحوق، يقلده في كل شيء، حتى إنه يصبح، بمرور الوقت، صورة منه. هذه الثنائية بين الحاكم ومرافقه تضفي على العرض تكثيفًا نفسيًّا وفكريًّا، حيث يصبح سعدون مرآة الدكتاتور ومؤديًا لدوره في آنٍ.



