دموع تُكمل المسير.. قراءة جديدة في بكاء الإمام زين العابدين (ع)

صباح الصافي..
حين تنحبس الأصوات وتُكبت الكلمات، يتكفَّل الدمع بأن يقول ما عجز عنه اللسان، وهكذا كان بكاء الإمام زين العابدين (عليه السلام) موقفًا واعيًا، ومشروعًا ممتدًا، وخطابًا غير منطوق يهزُّ أعماق الوجدان الإنساني، لقد ظنَّ بعضهم، أنَّ دموع السجاد (عليه السلام) كانت مجرَّد تعبير عن لوعة ابن فقد أباه؛ لكن الحقيقة أعمق بكثير، وأوسع من أن تُختزل في علاقة القرابة.
بكى الإمام (عليه السلام)؛ لأنَّه أبصر بأمّ عينيه سقوط القيم واندثار الرِّسالة، واختطاف الدِّين على يد المتلاعبين به، حتَّى صار الحقُّ غريبًا، والباطل عزيزًا، كان بكاؤه احتجاجًا بصيغة الألم؛ لكنَّه شديد اللهجة في مضمونه الثوري، يفضح بصمته كلَّ انحراف، ويرفع بمأساويته لواء الرَّفض، ويوقظ أمَّة كانت تترنَّح بين الغفلة والتواطؤ.
ماذا أراد الإمام السَّجاد (عليه السلام) من بكائه؟
وما الرِّسالة التي حملتها دموعه للأجيال؟
وكيف تحوَّلت تلك الدموع إلى صوت دائم يتحدَّى الزَّمن، ويعيد للأُمَّة بوصلتها التي أضاعتها في صحراء كربلاء؟
إنَّها قراءة جديدة في دموع ما تزال تكتب الوعي، وتزرع فينا روح الثَّورة.
المحور الأوَّل: بيان مفهوم النصرة
من المسلَّمات العقائديَّة والبديهيَّات التي لا يختلف عليها عاقل أنَّ الله (سبحانه وتعالى)، بكونه الخالق المطلق والمهيمن على كلِّ شيء، منزَّهٌ عن الحاجة إلى نصرة أحد من خلقه؛ وقد عبَّر (سبحانه) عن هذه الحقيقة في كتابه العزيز بقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى الله وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) فهو الغنيُّ المطلق، ونحن الفقراء إليه في كلِّ شأن من شؤون حياتنا ومصيرنا. ومن هنا، فإنَّ مفهوم “نصرة الله” لا يعني دعمه لاحتياجه؛ بل تعني انخراط الإنسان في مشروع الحقِّ الإلهي، ونصرة أوليائه (تعالى)، الذين اختارهم لإقامة دينه وتبليغ رسالاته؛ فهم أنوار الهداية ومصابيح الدجى، ونصرتهم في الحقيقة نصرة لمشروع الله (سبحانه) في العالمين.
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى في قصَّة نبيِّ الله عيسى (عليه السلام)، حينما واجه الكفر والجحود، فاستنصر بالمؤمنين قائلًا: (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى الله قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ الله آمَنَّا بِالله وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) فهنا تتجلَّى الحاجة إلى الأنصار في معركة الحقِّ ضد الباطل، لا لنُصرة الله (تعالى)؛ وإنَّما لإقامة كلمته وتجسيد دينه في واقع النَّاس. وانطلاقًا من هذا الفهم، نسعى في هذا المقال إلى استكشاف كيفيَّة نصرة الإمام الحسين (عليه السلام)، من خلال تتبُّع بعض مواقف وسيرة الإمام السجَّاد (عليه السلام)، بوصفه الوريث الرسالي الذي حمل راية النَّهضة بعد كربلاء، وأكمل مشروعها في ميادين الكلمة والصَّبر والتربيَّة.
- النصرة.. لغة واصطلاحًا:
النصرة لغةً: “النُّونُ وَالصَّادُ وَالرَّاءُ أَصْلٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى إِتْيَانِ خَيْرٍ وَإِيتَائِهِ. وَنَصَرَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ: آتَاهُمُ الظَّفَرَ عَلَى عَدُوِّهِمْ، يَنْصُرُهُمْ نَصْرًا. وَانْتَصَرَ: انْتَقَمَ، وَهُوَ مِنْهُ… وَالنَّصْرُ: الْعَطَاءُ”(3). و”نَصَرْتُهُ عَلَى عَدُوِّهِ وَنَصَرْتُهُ مِنْهُ نَصْرًا أَعَنْتُهُ وَقَوَّيْتُهُ وَالْفَاعِلُ نَاصِرٌ وَنَصِيرٌ وَجَمْعُهُ أَنْصَارٌ. والنُصرة بالضمِّ اسم منه. وتناصرَ القومُ: نصر بعضُهم بعضًا. وانتصرت من زيد: انتقمت منه. واستنصرته: طلبت نصرته”.
و”الأصل الواحد في المادَّة: هو إعانة في قبال مخالف، كما أنَّ الإعانة تقويًّة شيءٍ في نفسه؛ ومن دون نظرٍ إلى غيره. وأمَّا مفاهيم… الإعطاء والانتقام والتقويَّة: إذا لوحظ فيها القيدان المذكوران فتكون من مصاديق الأصل، وإلَّا فهي من التجوّز بمناسبة مطلق الإعانة بوجهٍ… ثمَّ إنَّ النصرة إذا استُعمل بحرف (على) فيدلُّ على الاستيلاء والغلبة كما في: (وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)، وإذا استُعمِل بحرف (مِن): فيدلُّ على الجانب والجهة، كما في قوله تعالى: (وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا)… وإذا استُعمل مطلقًا وبدون قيدٍ: يدلُّ على مطلق النصرة، كما في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ).
أمَّا النصرة اصطلاحًا؛ فتعني الإعانة والمساندة على تحقيق هدف أو دفع خطر، ويقابلها الخذلان والتخلِّي. وهذه النصرة تتنوَّع بتنوّع الميادين والمواقف؛ فقد تكون بالكلمة والموقف الصَّادق، أو بالمال والسَّند المادي، أو بالفعل والجهاد بالنَّفس، كلٌّ بحسب ما تقتضيه طبيعة القضيَّة وحجم التحدِّي الذي تواجهه؛ فالنصرة مسؤوليَّة تتطلَّب تفاعلًا عمليًّا يتناسب مع حساسيَّة الظَّرف وخطورة المعركة التي يخوضها الحق.
إنَّ أعظم وأبرز مصداقٍ للنصرة هو نصرة أولياء الله (تعالى)، وعلى رأسهم النَّبيُّ الأعظم محمَّد (صلَّى الله عليه وآله)، الذي يُعدُّ أعلى مراتب أولياء الله (سبحانه) وأعظمهم منزلة. وقد أوجب الله (سبحانه) على المؤمنين نصرة نبيه وتعظيم مكانته؛ فقال في كتابه الكريم: (فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).
وتأتي كذلك نصرة الله (تعالى) متجسدة أيضًا في نصرة أئمة أهل البيت (عليهم السلام)؛ إذ إنَّ من أبرز علامات وصفات الشيعة الثَّابتة أنَّهم ناصرون صادقون لأهل البيت (عليهم السلام)، يحملون همومهم ويعيشون أفراحهم وأحزانهم بكلِّ إخلاص وتفانٍ؛ وقد بيَّن الإمام علي (عليه السلام) هذه العلاقة العميقة بقوله: “إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى اطَّلَعَ عَلَى الْأَرْضِ فَاخْتَارَنَا، وَاخْتَارَ لَنَا شِيعَةً يَنْصُرُونَنَا، وَيَفْرَحُونَ لِفَرَحِنَا، وَيَحْزَنُونَ لِحُزْنِنَا، وَيَبْذُلُونَ أَمْوَالَهُمْ وَأَنْفُسَهُمْ فِينَا [أُولَئِكَ مِنَّا] وَإِلَيْنَا، وَمَا مِنَ الشِّيعَةِ عَبْدٌ يُقَارِفُ أَمْراً نَهَيْنَاهُ عَنْهُ فَلَا يَمُوتُ حَتَّى يُبْتَلَى بِبَلِيَّةٍ تُمَحَّصُ فِيهَا ذُنُوبُهُ، إِمَّا فِي مَالِهِ، أَوْ وُلْدِهِ، أَوْ فِي نَفْسِهِ حَتَّى يَلْقَى اللهَ وَمَا لَهُ ذَنْبٌ، وَإِنَّهُ لَيَبْقَى عَلَيْهِ الشَّيْءُ مِنْ ذُنُوبِهِ فَيُشَدَّدُ [بِهِ] عَلَيْهِ عِنْدَ مَوْتِهِ، وَالْمَيِّتُ مِنْ شِيعَتِنَا صِدِّيقٌ شَهِيدٌ صَدَّقَ بِأَمْرِنَا، وَأَحَبَّ فِينَا، وَأَبْغَضَ فِينَا، يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ الله عَزَّ وَجَلَّ، مُؤْمِنٌ بِالله وَرَسُولُهُ، قَالَ اللهُ: (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالله وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ).
ومن بين أولياء الله (سبحانه) وأوصيائه الذين تستوجب نصرتهم، يبرز الإمام الحسين (عليه السلام) في مكانة خاصَّة وعظيمة؛ إذ كان على مدى يوم عاشوراء يكرر ويؤكِّد على طلب النصرة في مواجهة الظلم والطغيان؛ وتذكر الروايات التأريخيَّة التي نقلت بعض أحداث واقعة الطفِّ أنَّه عندما قضى أنصاره واحدًا تلو الآخر، وبقي الإمام (عليه السلام) وحيدًا لا ناصر له ولا معين، رفع صوته بنداء قال فيه: “هَلْ مِنْ ذَابٍّ يَذُبُّ عَنْ حَرَمِ رَسُولِ اللهِ “صلَّى الله عليه وآله”، هَلْ مِنْ مُوَحِّدٍ يَخَافُ اللهَ فِينَا، هَلْ مِنْ مُغِيثٍ يَرْجُو اللهَ بِإِغَاثَتِنَا، هَلْ مِنْ مُعِينٍ يَرْجُو مَا عِنْدَ اللهِ فِي إِعَانَتِنَا”.
- درجات النَّاصرين:
تختلف النصرة وتتفاوت باختلاف مكانة الولي أو الشَّخص الذي يُناصر؛ ففي بعض الأحيان يكون النَّاصر وليًا من أولياء الله أو حتَّى معصومًا كما حدث مع نصرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليهما السلام) للرسول الأعظم محمَّد (صلَّى الله عليه وآله)؛ حيث كانت هذه النصرة تتسم بسمو المقاصد وعلو الهمم، وتتجاوز كلَّ ما هو دنيوي أو مادِّي. وفي أحيان أخرى، يكون الناصر من عامَّة النَّاس، ولكلِّ ناصر مكانته وقربه من الله (سبحانه وتعالى) بحسب حجم الإخلاص والدَّعم الذي يقدِّمه للمنصور؛ فمثلًا، نصرة أمير المؤمنين (عليه السلام) للنبي (صلَّى الله عليه وآله) تختلف جوهريًا عن نصرة النَّاس العاديين؛ فالأوَّل كان دعمه ينبع من عمق الإيمان والولاء الكامل، فيما تكون نصرتنا غالبًا مرتبطة بحسابات الأجر والثَّواب في الآخرة، والفرق شاسع بين أن ننصر النبي (صلَّى الله عليه وآله) حبًا له، وبين أن ننصره بهدف الحصول على الجنَّة أو مكافآت دنيويَّة.
وأوَّل ناصر بعد معركة الطف للإمام الحسين (عليه السلام) هو الإمام زين العابدين (عليه السلام)؛ وإن كان كثير من الخطباء والكتاب يشيدون بالدَّور الذي نهضت به مولاتنا زينب (عليها السلام)؛ ولا إشكال، ولا ريب في ذلك؛ إلَّا أنَّ المعصوم (عليه السلام) هو الأسبق، وهو الأوَّل؛ وكانت مولاتنا زينب (عليها السلام) تتحرك وفق آلية معيَّنة من الإمام السجاد (عليه السلام)؛ فقد كان الإمام (عليه السلام) يسعى بكلِّ حكمة للحفاظ على الثلَّة الباقية من أهل البيت (عليه السلام)؛ إذ كانت حياتهم محور استمرار النهضة وحفظ الرسالة. وفي الوقت نفسه، كان يحرص على أن يُخرج من تلك المحنة رسالة الإمام الحسين (عليه السلام) المقدَّسة، التي تجسدت في دمائه الزكيَّة التي سالت على أرض كربلاء، لتكون شعلة نور تهدي الأجيال وتبقى نبراسًا للثبات على الحقّ والمقاومة في وجه الظلم والفساد.
نجح الإمام السجاد (عليه السلام) في القيام بأدوار واتِّباع منهجيات متعددة أثبتت نصرتها الحقيقيَّة للقضيَّة الحسينيَّة؛ حيث كانت جهوده المبذولة هي الأساس الذي استندت عليه النهضة الحسينيَّة عبر الأزمان، وما نراه اليوم من تجدد ونشاط في كلِّ ميادين هذه النهضة العظيمة، ما هو إلَّا ثمرة مباشرة لجهود الإمام زين العابدين (عليه السلام) وجهاده المتواصل في سبيل إحياء رسالة أبيه سيِّد الشهداء (عليه السلام).



