اراء

زلزال في نيويورك

بقلم: زياد حافظ..

اليوم الرابع والعشرون من شهر حزيران 2025 تأريخ زلزال سياسي لم تشهده المدينة ولم تشهده الولايات المتحدة حتى الآن. ونقول حتى الآن لأن ما حصل في نيويورك قد يكون بداية تحوّلات جذرية في المشهد السياس الأمريكي خاصة فيما يتعلق بقضية فلسطين. ففوز زهران ممداني بالانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، وهو شاب لا يتجاوز عمره 33 سنة من أصول هندية مسلم واشتراكي في آن واحد ومؤيّد للقضية الفلسطينية، فهذا الفوز يشكّل نقطة فارقة في عاصمة الرأس مالية العالمية، ومعقل المؤسسات الصهيونية في الولايات المتحدة، ومركز أكبر تجمّع لليهود في الولايات المتحدة.  فاز ممداني على خصمه الحاكم السابق لولاية نيويورك أندرو كوومو الذي كان وزيرا للإسكان والتنمية المدينية في ولاية كلنتون. وهو أيضا نجل الحاكم السابق لولاية نيويورك ماريو كوومو، بمعنى أنه ابن المؤسسة الحاكمة في الحزب الديمقراطي وصاحب التراث العائلي المرموق داخل الحزب. 

لكن أبعاد وصول ممداني إلى عمدة نيويورك تعني أنه لأول مرّة في تأريخ التنافس السياسي أصبحت فلسطين إحدى محاور التنافس ولم تعد من المحرّمات في التكلّم عنها. فالجيل الذي أقبل بكثافة على التصويت لصالح ممداني هو جيل الشباب بشكل عام وجيل الذي ساهم في الاعتصامات والاحتجاجات في الجامعات الكبرى ومنها جامعة كولومبيا في نيويورك التي انطلق منها الحراك الطلابي. ووجود فلسطين في الحراك السياسي الأمريكي يواكب الغضب لدى الشباب من سلوك النخب الحاكمة سواء في الحزب الديمقراطي أو الحزب الجمهوري. لا يجب أن يغيب عن البال أن أحد كبار الشيوخ في الحزب الديمقراطي هو شارل شومر اليهودي والذي هو من أقطاب المدافعين عن الكيان الصهيوني سارع لتهنئة ممداني لعدم إغضاب القاعدة الشبابية داخل الحزب وفي مدينة نيويورك. وتأتي خسارة أندرو كوومو المعروف بدعمه للكيان وكرهه للعرب والمسلمين إنذارا لسائر السياسيين في معاقل اللوبي الصهيوني أن القاعدة الشعبية لم تعد تكترث للسردية التي تروّجها الأوساط الصهيونية.  ولا يجب أن يغيب عن البال ظاهرة نائب في مجلس النوّاب وهي الكسندرا اوكازيو كورتيز التي فازت على منافسها الذي كان أحد أعمدة الحزب الديمقراطي في نيويورك سنة 2018 ولم يتجاوز عمرها آنذاك 29 سنة، هي ظاهرة أنذرت بدور الشباب في الحراك السياسي.  وهي تخدم في مجلس النوّاب حتى الساعة.

وما يزيد الطين بلّة هو التوجهات الاشتراكية لزهران ممداني في مدينة هي عاصمة الرأس مالية العالمية وعاصمة مراكز المالية التي تحكم الولايات المتحدة والعالم.  وهو الذي أكّد في حملته الانتخابية ضرورة تقديم الخدمات الاجتماعية مجانا للمحتاجين ما يضرب عُرْض الحائط ممارسات ترفض تقديم تلك الخدمات واستمرّت لعقود، بل لقرون.  فهذا الفوز ضرب في الصميم ذلك الرمز ما يدلّ على تغيير كبير في مزاج الشباب الأمريكي.  فالقاعدة الشعبية التي انتخبت ممداني هي من الشباب المنتمين لـ “جيل زد” (generation Zed)، أي الذين هم من مواليد ما بعد 2000. فمراكز الأبحاث الأميركية تشير بوضوح إلى تنامي الأفكار الاشتراكية عند الشباب الأميركي المنتمين لـ “جيل الألفية” (millennials) الذين ولدوا بين 1981 و2000، أضافة إلى جيل “زد”.

إن ما يحصل في الحزب الديمقراطي هو الانفصال بين النخب التي تتحكّم بالحزب والقاعدة الشعبية وخاصة الشباب الذين يشكّلون عصب الحملات الانتخابية.  فخسارة الشباب تعني فقدان “الجيش” الذي يحمل لواء وشعارات الحزب.  ومن الواضح أن الحزب خلال العقود الماضية تحوّل من حزب يحمل قضايا وهموم الطبقة العاملة والوسطى ليصبح المدافع عن مصالح الشركات المالية بحجة إلى “خطاب وسطي” ضروري للوصول إلى السلطة فأصبح اليوم منقطعا عن توجّهات وهواجس قاعدته الشعبية وخاصة الشباب.  ويرى الشباب الأميركي أن النظام الاقتصادي والسياسي القائم لا يلبّي حاجات المواطن الأميركي وبالتالي بدأ ينظر إلى الفكر الاشتراكي كبديل على الثقافة السائدة والمسيطرة. 

في هذا السياق، أن الخاسر الأكبر في تلك الانتخابات التمهيدية هو اللوبي الصهيوني الذي ساهم في دعم مرشح “الاستبلاشمنت” الديمقراطي أندرو كوومو ب 25 مليون دولار في حملته ضد زهران ممداني. ففي معقل اللوبي الصهيوني تمّت هزيمته ما ينذر أن في مناطق أخرى في الولايات المتحدة أصبحت هناك فرصة واضحة للخروج عن قبضة اللوبي الصهيوني.

ففي يوم واحد كان إعلان وقف إطلاق النار بناء على طلب الكيان يعكس الحالة الصعبة التي يواجهها في عدوانه على الجمهورية الإسلامية في إيران وتداعياتها المدمّرة. أما الهزيمة الثانية فكانت في أستراليا حيث ربحت صحفية أسترالية انطوانيت لطوف مراسلة المحطة الأسترالية “أي بي سي” (ABC) دعوتها القضائية على المحطة التي صرفتها من الخدمة بسبب ضغوط اللوبي الصهيوني لأنها غرّدت على حسابها الخاص امتعاضها من المجازر التي تُرتكب في غزة.  والهزيمة الثالثة في نفس اليوم كانت في خسارة مرشّح اللوبي الصهيوني في الانتخابات التمهيدية لعمدة نيويورك.

هذا الخط البياني مقلق للغاية لدى مناصري الكيان حيث اللوبي الصهيوني قد يفقد سيطرته على معظم أعضاء الكونغرس سواء كانوا من الشيوخ أو النوّاب.  فهل تنتقل تلك العدوى إلى مراكز القرار في الدولة العميقة؟  هذا ما سنتابعه في الأسابيع والأشهر القادمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى