اراء

استمرار المواجهة.. كيف تعيد إيران كتابة معادلات الاشتباك الجديدة؟

د. هاني الروسان..

دخلت المواجهة غير المسبوقة بين إيران وإسرائيل يومها الخامس، وقد تجاوزت حدود التصعيد التقليدي، لتتحول إلى لحظة فارقة في تأريخ الصراع الإقليمي، لا تُقاس بحجم الضربات، بل بطبيعتها الرمزية والاستراتيجية. فالضربة الإسرائيلية التي استهدفت منشأتي “فوردو” و”نطنز” لم تكن مجرد اختراق عسكري، بل إعلانًا عن نهاية مرحلة وبداية أخرى، تُكتب فيها معادلات الردع بلغة النار والصمت الأمريكي المتواطئ.

فما أقدمت عليه إسرائيل لم يكن استعراضًا عابرًا للقوة، بل لحظة تحول استراتيجي نقلت الصراع من سياسة الردع بالاحتمال إلى منطق الردع بالفعل. وهو منطق يسعى إلى ترسيخ قاعدة جديدة ترسخ مبدأ أن الضربات المسبقة لم تعد خيارًا، بل ضرورة في إدارة التهديد الإيراني. ومن هنا، فإن هذه المواجهة تمثل، كما يصفها بعض المحللين الغربيين، أول اختبار حقيقي للقدرة الإيرانية على الحفاظ على توازن الردع في ظل غياب مظلة نووية مكتملة. فالضربة الموجهة للعمق النووي الإيراني لم تلقَ اعتراضًا من القوى الكبرى، بل على العكس، حظيت بصمت لافت من واشنطن، واكبته تحركات لافتة على المستوى العسكري، أبرزها دفع حاملة الطائرات “يو أس أس نيميتز” نحو الخليج، في رسالة ضمنية تقول إن الإدارة الأمريكية وإن لم تشارك، فهي تضع ذلك احتمالا واردا.

بهذا المعنى، بدا واضحًا أن ما يجري على الأرض لا يمكن فصله عن حسابات إقليمية ودولية أكبر. ديفيد هيرست، في مقاله الأخير المنشور على Brave New Europe، وصف الوضع الراهن بأنه “توزيع أدوار بين حليفين”، يديران المسرح بذكاء تقني وتكتيكي، دون أن يظهرا بمظهر المحور المغامر. إسرائيل تضرب، والولايات المتحدة تراقب، لكن الطرفين يشتركان في هدف واحد: إعادة ضبط التوازنات بما يضمن تحجيم طموح إيران، واحتواء امتداداتها في المشرق والخليج، مع تمرير رسائل مباشرة إلى كل من موسكو وبكين بشأن حدود الحضور الاستراتيجي الممكن في المنطقة.

وربما المثير هنا أن الرد الإيراني لم يأتِ بالحجم المتوقع، حيث اختارت طهران، على خلاف ما درجت عليه سابقًا، أن ترد دون أن توسع نطاق الحرب، ولم تُطلق العنان لجبهات حزب الله أو أنصار الله كما كان يتوقع بعض المحللين، بل اكتفت بضربات محدودة توحي بالرد، دون أن تفتح أبواب التصعيد. هذه المقاربة، كما يشير بعض المحللين الإيرانيين، لا تعكس عجزًا، بل تبصرًا استراتيجيًا. فإسرائيل، كما يُفهم من بنية ضربتها، لا تسعى فقط إلى تدمير منشآت، بل إلى استدراج لمواجهة شاملة على أكثر من جبهة، تتيح لها مبررًا لإطلاق حرب تحت غطاء دفاعي دولي.

وهذا ما ذهب إليه توماس فريدمان في نيويورك تايمز، حين قال إن “إيران ترد، ولكن فقط بما يكفي لتجنب توحيد الجبهة الإسرائيلية–الأمريكية في حرب وجودية تهدد النظام نفسه”. فالمعادلة بالنسبة لطهران دقيقة: الرد ضروري لحفظ الهيبة.

في ظل هذا الواقع، تتحول المعركة من صراع صواريخ إلى صراع سرديات. فإيران تسعى إلى إثبات أنها قادرة على امتصاص الضربة دون السقوط في فخ المواجهة الشاملة، فيما تحاول إسرائيل أن توحي بأنها أعادت فرض اليد العليا في معادلة الردع. كلا الطرفين لا يريد الحرب الشاملة، لكن كلاهما يدرك أيضًا أن الاستمرار في هذا التوازن الحرج ليس مضمونًا. حادثة واحدة غير محسوبة – استهداف ناقلة في البحر الأحمر، أو قاعدة أمريكية في العراق – كفيلة بإشعال مواجهة مفتوحة، تعجز كل الأطراف عن التحكم بمسارها.

ومن هنا تأتي أهمية التحركات الأمريكية، ليس بوصفها تمهيدًا لحرب، بل كأداة لضبط وتيرة التصعيد، كما حاولت أن توحي بذلك تصريحات وتغريدات ترامب الذي غادر قمة مجموعة السبع، للاهتمام ” بالعديد من القضايا المهمة” كما قالت الناطقة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت على منصة أكس فواشنطن لا ترغب في حرب إقليمية شاملة، لكنها في المقابل لن تسمح بانكسار إسرائيل سياسيًا أو عسكريًا، خاصة في لحظة التوتر العالمي المتصاعد مع روسيا والصين. هذا ما يُفسر الصمت الروسي، وغياب الصين عن المشهد، في انتظار لحظة مناسبة قد تتيح لهما الدخول من بوابة الوساطة السياسية، بما يضمن لهما دورًا في رسم معالم النظام الإقليمي الجديد.

في ضوء كل ذلك، يصعب توصيف ما يجري بالتصعيد التقليدي. إنها ليست مناوشة، لكنها أيضًا ليست حربًا شاملة الى حد الآن، إنها ما يمكن تسميته “حرب الردع المستمر”، حيث يختبر كل طرف حدود خصمه دون أن يبلغا نقطة اللاعودة. هذه المعادلة الهشة ستظل قائمة فقط ما دامت الحسابات الاستراتيجية تتغلب على الانفعالات التكتيكية. لكن الأسبوع القادم سيكون حاسمًا، لا لأنه سيحسم الصراع، بل لأنه سيحدد إن كان هذا النمط الجديد من الحرب سيبقى أداة ضغط تفاوضي، أم سيتحول إلى نمط دائم من التصادم يُعاد عبرَهُ رسمُ توازنات المنطقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى