خوفي على وطني


توفيق القاضي
بعد عودتي لوطني العزيز، بعد فراق امتد إلى سنوات طوال، كنت متخماً بالأحلام الجميلة والآمال العريضة. وما إن لامست قدمايَ أرضَ بغدادَ الحبيبة، وقفت مذهولاً ومفجوعاً في آن… بغداد التي طالما نزفت حنيناً لرؤيتها والعودة إلى أحضان واحتضان الأهل والأحبَّة.. واكتويت بنار الغربة والفراق… بغداد المتلألئة والمتألقة دائماً.. تكتسي اليومَ جلبابَ الرَّثاثة والحزن والكآبة.. أسير في شوارعها..حاراتها..يداهمني الحزن من كل جانب.. أستنشق اليأس واللوعة والألم.. فأبكي صامتاً محترقاً..مردداً ما قاله السَّيّاب، حيث كان يسير مغترباً على شواطئ الخليج..عراق..عراق. ولا يردُّ حينها سوى الصدى..عراق….وأشاطر الجواهريَّ حين ودَّ:
لو أن ذاك الشِّراعَ الرُّخص كفني
يحاكُ منه غداة البينِ يطويني
لما رأيت فيها من خراب..أينما يمَّمت وجهي ..وجدتها شلحبة..كأنها شاخت قبل أوانها..أركام من النفايات..تلوِّث وجه المينة التي كانت جميله..اللون الأسمنتي هو الطاغي عليها.. حواجز في كل مكان..جنود..مصفحات.. طوابير من الناس أمام المستشفيات وعيادات الأطباء..والموت بالمجان..إذ تحصد الإنفجارات الأرواح متى تشاء..وأين ما تشاء..والمدهش حقاً، أن هناك الكثير من العراقيين..من يصابر ويستمر في عمله ويقاتل بشجاعة نادرة..مواصلاً الحياة.. برغم مرارة الألم، التي تكاد تقتله!.. شباب يصرخ بصوت عال: نحن هنا، وعلى هذه الأرض الطيِّبة..لابد أن تستمر الحياة. أما ما لمسته من خلال زياراتي القصيرة لبعض المحافظات الجنوبية، وبالخصوص مدينة الكوت..فقد وجدت فيها شيئاً مختلفاً تماما عمّا رأيته في العاصمة. للمدينة نكهة وخصوصيَّة تميزها عن المدن الأخرى. إنها في غاية الروعة والهدوء والأمان والاستقرار، وهذا ما حدا بي، أن أسجل الكثير في دفتر مذكراتي.. من المشاهدات الرائعة. لأكتب بعد ذلك مقالاً نشرته في احدى الصحف المحلية.. تحت عنوان (في الكوت ما يستحق الحياة) ، أطريت فيه على المدينة وناسها، وقلت فيها أيضاً: لو اختيرت مدينة ما عاصمة للثقافة، وأخرى للإبداع، فالأجدر أن نختار الكوت عاصمة للهدوء والسكينة والسلام، ومسوِّغ ذلك: كثرة النازحين إليها من الأماكن التي خيَّم عليها شبح الموت والإرهاب. ما جعلني أفكر مليا بالسكن والاستقرار فيها، فضلاً عن طيبة وبساطة أهلها، الناس هنا متماسكون إجتماعياً، باقون على سجيَّتهم وعفويَّتهم التي اعتادوها، فأين ما تولي وجهك تلتقي الطيبة العراقية الأصيلة، طافحة على الوجوه، برغم تعب السنين ومرارة الحياة التي يحيونها وقسوتها !! وأنا أتحدث عن المدينة لابد لي أن أشير إلى العلاقة الجيدة والوثيقة بين الناس والمسؤولين. هذا ما لمسته من خلال تجوالي في المدينة التي وجدت فيها أبواب المسؤولين مشرعة للناس كافة، ومن دون تفريق أو تمييز، وما أريد التركيز عليه، هو أن بساطة المسؤول، وتعاطفه مع الناس؛ يجعلانهم يشعرون بالأمن والاطمئنان الذي تفتقر له بعض المحافظات الأخرى للأسف الشديد، راجيا ومذكرا في الوقت ذاته، أن التواضع والبساطة تجعلان أصحابهما خالدين على مدى العصور والدهور، وخير مثال يقتدى به، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، وربَّ معترض هنا يقول: إن علياً نموذج فذ بعد رسول الله (ص) اللذين لا يقاس وإنَّما يقتدى بهما فحسب، فأقول له: ما قولك بالزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم، الذي خلَّده التاريخ لزهده وبساطته وتواضعه، بالرغم من بعض الأخطاء التي أشرت عليه ؟ وكذا زعيم الهند البوذي (المهاتما غاندي) الذي قال: تعلمت من الحسين أن أكون مظلوماً لأنتصر) وغيرهما ممن خلدهم أو يخلَّدهم التاريخ، لبساطتهم وتواضعهم فضلاً عن ميزاتهم الأخرى. فيما نجدً ما خلَّفه قارون وصدام وغيرهما من الطغاة، لم يكن إلا لعنة وأوزارا عليهم، والمثل الإنكليزي يقول: (البساطة جميلة). فلسفة البساطة شيء رائع وجميل، تؤثر في الشعب والأداء الوظيفي إيجاباً، بدءا بعامل النظافة والخدمات التي يحتاجها المواطن، ومروراً بالأستاذ الجامعي، وصولاً إلى أكبر مسؤول في الدولة (كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته). الكوت أقل مدن ومحافظات البلاد في نسب الجريمة والسرقة والفاسدين المالي والإداري، ما جعل هذه المدينة تجذبني لأعشقها كما عشقت غيرها من المدن الرائعة الأخرى التي زرتها وأعجبت بها، في عدد من البلدان التي زرتها. بل شجعني على السكن لأقضي ما تبقى من العمر فيها. المكان أحيانا يأخذ شكل الروح وشكل الجسد في آن، الأمر الذي يدعوني لأكتب عنه وأرسم وأغازله .. حقاً إن المدينة ساحرة جميلة، شوارعها عريضة ونظيفة، النافورات تتوزع هنا وهناك، البيوت ذات الطراز الحديث، كلها أضفت جمالاً آخر على المدينة، المقاهي والمتنزهات المنتشرة على امتداد الكورنيش الطويل، والجسر الواصل بين طرفي المدينة؛ تجعلني أعيش حياة الريف الرائعة الحقيقية، فلاحون وفلاحات، رائحة الزرع الزكيه.. انسيابية ماء النهر الجميلة.. أشم عبق الماضي الجميل..وإذا أسدل الليل أستاره، تغفو المدينة معانقة النهر والخير والأمان..وتغفو الناس على الأمل بيوم جديد؛ كل ذلك دعاني كما أسلفت، للعيش هنا في الكوت، وفي ريفها تحديداً، أبني فيها بيتاً صغيراً، أو كوخاً بسيطاً، ليكون صومعتي التي أفكر وأتأمل فيها، أكتب وأرسم لخدمات تليق بها. سألتقي المسؤولين فيها، وأعرض ـ ومن دون إطراءـ خبرة خمسين عاماً من العمل الفني داخل العراق وخارجه، لدي طموح كبير وأفكار ومشاريع كثيرة لخدمة المدينة، سأبدؤها متبرعا برسم جدارية لها، اعتزازا بها ورداً للجميل الذي أسداه لي أهلها الطيبون؛ كي أعيش حياة هادئة آمنه، وأكمل فيها ما بقي من العمر، الذي لم يبق منه الكثير، في خدمة أهلي ووطني. شكراً للكوت وأهلها الطيبين، الذين غرسوا الفرحة والأمل في طريقي الجديد؛ كي أعانق الحياة، وأعيش ذاتي هنا، في الكوت الحبيبة.



