اراء

الانكفاء للسعودية انثناء على حساب الوطن

محمد علي جواد تقي
بشكل قاطع أخيراً اعلنت وزارة الخارجية العراقية امتعاضها من تصرفات السفير السعودي على اثر تماديه في تخطي الاصول الدبلوماسية ، وطالبت بشكل رسمي بعد الانكفاء الطويل ، نظيرتها السعودية باستبداله ، وبأهمية أن يكون السفير خاضعاً للأعراف والمواثيق الدولية الخاصة بتعامل السفراء مع وسائل الإعلام وعدم إطلاق التصريحات للرأي العام دون مهابة ، معتبرة أن تصريحاته تجاوزٌ للتمثيل الدبلوماسي وحسن العلاقة وتساهم في التأجيج المذهبي ولقاءاته المشبوهة مع اطراف معادية للعملية السياسية سراً وعلناً وتقديم الدعم المادي واضحة للعيان ،عرفت بنعراتها الواهمة ومكامنها الدفينة وتغذيتها الفتنة الطائفية كما يعزز التدخل السافر في شؤون العراق وتساهم في زعزعة الامن الداخلي الذي تلعب المملكة عليه منذ زوال النظام السابق . الخارجية يجب ان تكون اكثر حزماً في مثل هذه الامور لان السكوت يعني الخنوع والخوف وليست إلا قبراً لمن ينثني لها على حساب الوطن .السعودية كانت قد قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع العراق منذ غزو صدام الكويت في آب عام 1990، غير مبالية ومهتمة لفتح افاق جديدة في ظل النظام الحالي ولم تفكر جديا بإعادة هذه العلاقات برغم اسقاط النظام الصدامي في العراق بلا رجعة والتغيير في اصول الحكومة في الانفتاح على ارادة الشعب التي تعتمد على عدم التدخل في شؤون الدول الاخرى ، والدعوات المتكررة للحكومات العراقية لها بعد 2003 لفتح صفحة جديدة من العلاقات بعيدا عن اي خلفيات طائفية يمكن ان تسمم الاجواء بين العراق وأشقائه. لم تلق هذه الدعوات العراقية المتكررة حد الالحاح اذنا صاغية في الرياض التي اصرت ومازالت على اعادة عقارب الساعة الى الوراء ، أو على الاحرى ضرب العملية السياسية القائمة في العراق، وترتيبها وفقا لرؤيتها للمنطقة بشكل عام ، دون ان تأخذ بنظر الاعتبار ثقل ارض الرافدين الحضاري وتاريخه السياسي والتطورات التي شهدها العراق منذ عام 2003، والتي لن تسمح بإعادة عقارب الساعة الى الوراء ، ولا حتى تستطيع بإعادة ترتيب العملية السياسية وفقا لأجنداتها الخاصة للعراق والمنطقة. الاصرار السعودي العبثي على افشال العملية السياسية في العراق كلف ارضه وشعبه اثمانا باهظة، فسالت انهار من الدماء البريئة في العراق، وشرد الملايين من أهله، وانتهكت الحرمات والمقدسات، وتحول العراق الى ساحة يصول ويجول فيها شذاذ الافاق من التكفيريين والطائفيين، وامتد هذا العبث السعودي الدموي الى سوريا والى اليمن، هدد لبنان لولا مقاومة الخيرين من ابنائه . حتى تم تكليف ثامر السبهان كسفير للمملكة في العراق وفق ضغط وارادة أمريكية . لقد كانت للسفير سلسلة من التصريحات والآراء في وسائل الإعلام تجاوزت حدود البروتوكول الدبلوماسي ومهام أي سفير من تكليف الى امر ونهي … مما اوجد الكثير من العقبات في العلاقات بين البلدين وأثارت الشارع الذي يعاني من جروحه والتي ذكرها السفير (حاولت أداء واجبي، ولكن السياسة السعودية تجاه العراق لن تتغير) وأضاف ايضاً: هذا ليس شأنا شخصيا. ما قلته للإعلام ولكل الساسة العراقيين في الماضي هو أنهم مقيدون نتيجة الضغوط التي تمارس عليهم من مختلف الجهات والقوى والمستشارين السياسيين ، حرية الشعب وكلمته مغايرة لسياسة المملكة وواضحة وصريحة في العراق ولن تتغير بتغير الأشخاص والعداء للشعب العراقي هو تاريخي ولنا الكثير من الشواهد التي يمكن الرجوع اليها. طلب تغيير السفير السعودي في العراق جاء متأخراً جداً وبعد مجاملات طوال والخارجية العراقية تعاملت مع المطالب بدم بارد (دبلوماسية اكثر من اللازم). وأكدت ضرورة عدم تدخل السفير بالشؤون الداخلية للبلد بالدرجة الأساس، والعمل على تطوير العلاقات الثنائية ، خصوصاً وأن البلد يمر بمرحلة استثنائية وحساسة في حربه ضد الإرهاب ولن تسمح لأي سفير بأن يوظف مهامه الدبلوماسية لتأجيج خطاب الطائفية في البلد بنقله لخصومة بلاده مع بلدان أخرى والخصوص التي تملك بغداد معها اواصر محبة وصداقة وتاريخا مشتركا ولها مواقف مشهودة في الدفاع عنها وفي محاربة الارهاب من خلال موقعه الدبلوماسي، لكن الواقع جاء ذلك بعد المطالبات العديدة للحركات والكتل السياسية في سبيل الحد من تصرفات السبهان التي حذرت مراراً وتكراراً من السماح للسفير في التدخل بالشؤون الداخلية وتبنيه موقفاً يتجاوز كل الاعراف الدبلوماسية ومبادئ حسن الجوار ووضع حد لسلوكه غير المنضبط في محاولة اثارة النعرات الطائفية وزرع الفتنة بين اطياف المجتمع . ولا اعرف قد يكون سبب التأخير عدم مقاطعة مغادرة الحجيج الى زيارة بيت الله الحرام وإيجاد الطرف السعودي المعوقات كما عودنا دائماً . تصرفات السفير كانت تتميز بوقاحة غير مسبوقة تبتعد عن السبل الصحيحة وتعامله يتناقض مع ما هو مثبت في القوانين الدولية والعرف الدبلوماسي والتي يمكن لمن اراد مراجعة تلك الانظمة التي تم التعامل بها في كل انحاء العالم حيث تخدم مصالح الدول للحد من التصرفات الفردية والأعراف الخارجة عن المألوف في العلاقات. لقد طفح الكيل بالنسبة للعراقيين من مشاكسات السفير السعودي ثامر السبهان. وتصريحات المتحدث باسم الخارجية العراقية خير دليل “لقد نبهنا مرارا وتكرارا، مرة بالاستدعاء ومرة بمذكرات احتجاجية حول رفضنا هذه التصريحات”، مشيراً إلى ان آخر التصريحات كان ما ادعاه السفير عن وجود مخطط لاغتياله في بغداد تقف خلفه بعض الميليشيات. ولم يكن السفير قد ابلغ الحكومة بها مما يدل على الفبركة الاعلامية لهذا الرجل . ولا يمكن ان ننسى قوله المشهور بحق الحشد الشعبي عند مشاركتهم في عمليات تحرير المنطقة الغربية يدل على الحقد الاعمى من انتصارات هذه الشريحة المؤمنة بالوطن وللدفاع عنه … “رفض الكرد والانبار دخول الحشد الشعبي الى مناطقهم يبين عدم مقبولية الحشد الشعبي من قبل المجتمع العراقي”، متسائلاً «هل تقبل الحكومة العراقية بوجود حشود سنية كالحشود الشيعية الحالية وبنفس التسليح، ولماذا يوضع السلاح بيد الحشد الشعبي فقط وقس على ذلك ! السعودية التي كان العراق ينتظر سنوات طوال منها اعادة العلاقات على افضل وجه وتعيين سفيرها في العاصمة العراقية ، لتوثيق الاخوة الاسلامية بعيداً عن التأثيرات الاخرى ولكن تم ذلك بناء على ضغط أميركي، لم تضبط تصريحات سفيرها المتهور ثامر السبهان النارية التي جعلت العراقيين يتهمونه مرارا بانتهاك محاذير العمل الدبلوماسي، والتدخل في الشؤون الداخلية للبلاد بل أكثر من ذلك ، بإثارة الفتنة بين المكونات العراقية السياسية والمذهبية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى