الدعاء والاستجابة

هناك قوانين غيبية هي المهيمنة على القوانين الطبيعية، والقوانين الطبيعية هي ظاهر، والإنسان مكلّف بأن يسيّر حياته طبقاً لتلك القوانين الظاهرية، لكن هناك واقع، وهو المهيمن على الظاهر، والواقع هو إرادة اللّه سبحانه وتعالى في كل شيء.
إن اللّه سبحانه وتعالى خلقنا مختارين، وعقيدة الجبر هي عقيدة باطلة أنشأها بعض سلاطين الجور ليخدّروا المجتمعات الإسلامية، والصحيح هو أن الإنسان مختار، لكن ليس تخييره بمعنى أن كل شيء بيده، وإنّما أغلب الأمور خارجة عن اختياره، وبعض الأمور تحت اختياره، وهو ما عبّر عنه الإمام الصادق (عليه السلام) بقوله: «لا جبر ولا تفويض، ولكن أمر بين أمرين».
إن أكثر المقدمات خارجة عن اختيارنا، ولكن بعضها تحت اختيارنا، فوجودنا ليس باختيارنا، وقدرتنا من اللّه سبحانه وتعالى، وكذلك المقدمات الأخرى كالعقل والتصوّر وغير ذلك، فهذه كلها مِنحٌ من اللّه سبحانه وتعالى لنا، ولا يوجد عمل من الأعمال إلّا وفيه مشيئة اللّه سبحانه وتعالى، ولكن ليست مشيئة جبر، وإنّما مشيئة اختيار، فاللّه سبحانه وتعالى قدّر اختيار الإنسان بحيث يتمكن من أن يفعل أو يترك بالعمل أو لا يقوم، وهذا هو معنى الأمر بين الأمرين.
فالأمور الغيبيّة هي المهيمنة على الأمور الطبيعية، لكن الإنسان مكلّف أن يعمل حسب الأمور الطبيعية، وأمّا الأمور التي تكون خارجة عن اختياره فيوكل أمرها للّه سبحانه وتعالى.
إن اللّه سبحانه وتعالى هو الرازق، لكن لا يصحّ للإنسان أن يجلس في داره ويغلق عليه بابه، ثم يطلب من اللّه أن يرزقه، فإذا فعل ذلك فلا يأتيه الرزق؛ لأن اللّه أمرنا أن نطلب الرزق عن طريق العمل، فقد عيّن لكل إنسان رزقاً، وأرسل ذلك الرزق وهذا هو السبب الغيبي المهيمن، ولكن الإنسان مكلّف أن يطلب ذلك الرزق.
إن اللّه سبحانه وتعالى بيّن الطرق للإنسان، فينبغي عليه أن يتحرك ولو قليلاً لكي يحصل على ما يريد، فقد خلق اللّه سائر الموجودات بلا عقل، فهي مسيرة، ولكنه فضّل الإنسان بالعقل وجعله مخيراً، وهذا لا يعني أن الإنسان خرج عن سلطة اللّه سبحانه وتعالى، وإنّما هو باقٍ تحت سلطته، لكن يجب على الإنسان أن يعمل ضمن دائرة كسب الخير والحلال، حتى يكون قابلاً لثواب اللّه سبحانه وتعالى؛ لأن اللّه سبحانه وتعالى خلق الإنسان ليرحمه، وجعل طريق الرحمة العبادة، فعلى الإنسان أن يجعل نفسه قابلاً لتلك الرحمة عن طريق العبادة.
إذا اتّضح هذا الأمر فسوف يتّضح أنه في بعض الأحيان لا تتوفر الأسباب الطبيعية للإنسان، فربما يريد الإنسان شيئاً إلّا أن الأسباب الطبيعية لا تتوفر له، وهنا يأتي دور الاتصال باللّه سبحانه وتعالى ليهيئ الأسباب، فتارة يهيئ أسباباً طبيعية، وأخرى يهيئ أسباباً غيبية.
فبعض الناس إذا مرض جلس في الدار وقال: أنا مرضت واللّه سبحانه وتعالى هو الشافي، صحيح أن الشفاء من اللّه سبحانه وتعالى ولكن يجب على الإنسان أن يطلب ذلك الشيء عن طريق العلاج، فإذا استعمل الأدوية فقد يطيب، لكن هذا السبب الطبيعي هو الظاهر، وأمّا الواقع فهو أن اللّه سبحانه وتعالى هو الذي شفاه.
علة تأخير استجابة الدعاء
إن اللّه سبحانه وتعالى لا يُخلف الميعاد؛ وقد وعد الاستجابة فقال: (اُدعوني أستجب لكم) ولم يستعمل كلمة الفاء، فلم يقل: (اُدعوني فأستجب لكم) وذلك لبيان شدة اتصال الاستجابة بالدعاء، وقال تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قريب أُجِيبُ دعوة الداع إِذَا دعان فليستجيبوا لِي وليؤمنوا بِي لعلهم يرشدون).
ومع هذه الآيات يقول البعض: إننا ندعو فلا يُستجاب لنا، وكذلك ندعو في شهر رمضان، وفي المسجد الحرام وغيرها من الأماكن لكن لا يستجاب لنا فما هو السبب؟
والجواب: هو أن سبب عدم استجابة الدعاء هو عدم الالتفات الصحيح إلى معنى الاستجابة، فكل الأمور التي تجري في الكون بإرادة اللّه سبحانه وتعالى، فينبغي على الإنسان أن يسلك الطرق الطبيعية، ومع ذلك يدعو اللّه سبحانه وتعالى.
إن البعض يتصور أنه إذا كان مريضاً مثلاً ورفع يديه بالدعاء فسيشفيه اللّه فوراً، إلّا أن الأمر ليس كذلك؛ لأن اللّه حكيم، وقد جعل القوانين الطبيعية، ولا يريد منّا أنه نخالفها في كل مرّة.
إن كل دعاء مُستجاب، لكن الاستجابة هي من الجواب، فمرّة يطرق الإنسان باباً ولا تفتح له، وتارةً يطرق الباب ويقال له: ماذا تريد؟ فيقول: أريد كذا، فيقال له: لا إشكال في هذا الأمر الذي تريده، فإنه سيتحقق تارة فوراً وتارة بعد زمان وتارة يتحقق ما هو أفضل منه، فليس معنى الاستجابة وقوع كل ما يطلبه الإنسان بالدعاء وبالكيفية التي يريدها الإنسان، لأن ذلك يعني حدوث فوضى في الكون، مضافاً إلى أن اللّه وعد الاستجابة لكنه قال: (أوفوا بعهدي أُوفِ بِعَهدِكُم) ومعنى ذلك أن الوعد بشرط، فمن لم يفِ بعهد اللّه تعالى فلا يتوقعنّ الاستجابة.



