العيد للطائعين و مقبولي الأعمال و كل أيامهم أعياد

الشيخ محمد جواد الدمستاني
الأعياد أيام و مواسم تحتفل بها كل شعوب الأرض كل حسب بيئته و هويته و معتقده، مسمياتها متعددة كل حسب لغته و لسانه، يشتركون في الاحتفال بأعيادهم جميعا كلٌ بطريقته، فهي أيام سعادة و سرور ظاهري، و غالبا ما يقومون و يمارسون مجموعة من الأعمال و الطقوس في أعيادهم، و هي مرتبطة بحوادث مضت أو بمراسم تتجدد.
و أعيادنا الإسلامية مرتبطة بالعبادة، و تأتي بعد العبادات الكبرى، فعيد الفطر يأتي بعد فريضة الصوم، حيث يصوم المسلم شهر رمضان كاملا فهو عبادة و جهاد مع النفس الأمارة، و تقييد للشيطان، و في شهر رمضان يتحكم الصائم و يسيطر على غرائزه و شهواته ومشتهياته.
و عيد الأضحى يأتي بعد فريضة الحج حيث تروك الاحرام أو محرمات الاحرام، و القيام بالمناسك في المشاعر، فهو عبادة عظيمة و بها انتصار على الشهوات و الغرائز و الالتزام بأحكام الله.
أما عيد الغدير فهو عيد الله الأكبر و عيد الولاية و تم فيه تنصيب رسول الله صلّى الله عليه و آله لوصيه أمير المؤمنين عليه السلام، و أشرف الأعياد لارتباطه بحجج الله على أرضه الذي أوجب الله طاعتهم و محبتهم و اتباعهم، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ﴾.
كما أنّ يوم الجمعة من كل أسبوع هو عيده، عيد الأسبوع، و يكون بعد التوفيقات للعبادة و الطاعة في يوم الجمعة.
و ظاهر الأعياد الفرح و البهجة فهذه ميزتها في كل بقاع الأرض، و لكن الذي يوجب الفرح و السعادة و استحقاق الاحتفال به و ما يكون فيه من التجمعات و الحشود و الزينة و البهجة إنّما يكون مع الانتصار على النفس بالطاعة و التوفيق لما سبقه من عبادة و خضوع لله، أما مع عدم التوفيق و الانتصار في مراحل العبادة و الطاعة لله فليس هو عيد كما يبيّن أمير المؤمنين عليه السلام، فالعيد الحقيقي الذي يستحق الفرح و الابتهاج و مظاهر السعادة إنّما يكون بعد التوفيق للعبادة و قبولها و في عيد الفطر لمن قبل الله صيامه و قيامه، و هذه حكمة أمير المؤمنين عليه السلام في قوله «إِنَّمَا هُوَ عِيدٌ لِمَنْ قَبِلَ اللَّهُ صِيَامَهُ وَ شَكَرَ قِيَامَهُ ، وَ كُلُّ يَوْمٍ لَا يُعْصَى اللَّهُ فِيهِ فَهُوَ عِيدٌ».
و على هذا الأساس من قبول الأعمال من صيام و قيام و طاعات و تجنب المعاصي فإنّ ليس الأول من شوال هو عيد فقط بل كل يوم لا يُعصى الله فيه فهو عيد و مناسبة للفرح و البهجة و السعادة و الاحتفال.
و نتائج و جوائز العبادة في شهر رمضان بعد أداء العبادة و الطاعة بالقبول و النجاح تأتي في آخر يوم منه و يوم عيد الفطر، و روي عن أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة له في عيد الفطر قوله: «وَ اِعْلَمُوا عِبَادَ اَللَّهِ أَنَّ أَدْنَى مَا لِلصَّائِمِينَ وَ اَلصَّائِمَاتِ أَنْ يُنَادِيَهُمْ مَلَكٌ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ أَبْشِرُوا عِبَادَ اَللَّهِ فَقَدْ غُفِرَ لَكُمْ مَا سَلَفَ مِنْ ذُنُوبِكُمْ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَكُونُونَ فِيمَا تَسْتَأْنِفُونَ؟!» ، فهو يوم الفرح الحقيقي بغفران الذنوب، «إِنَّمَا هَذَا عِيدُ مَنْ غُفِرَ لَهُ».
فقد روى سويد بن غفلة قال: دخلت عليه – يعني أمير المؤمنين عليه السلام – يوم عيد، فإذا عنده فاثور عليه خبز السمراء وصفحة فيها خطيفة و ملبنة، فقلت: يا أمير المؤمنين يوم عيد و خطيفة؟! فقال: «إِنَّمَا هَذَا عِيدُ مَنْ غُفِرَ لَهُ» 4، فالعيد الحقيقي لمن غفر له و لا ينبغي أن تُغلب الجوانب الظاهرية للعيد – من زينة و بهجة و فرح و استمتاع مع أهميتها كلها – على معناه الحقيقي في الطاعة و الغفران و الجوانب الاجتماعية المأمور بها.
و الكلام في بيان العيد الحقيقي الذي يستحق الابتهاج فيه، و الترغيب لعبادة اللَّه و عدم معصيته، و إرشاد إلى قدرة الإنسان المؤمن أن يجعل كل أيامه أعيادا و كل مناسباته أفراحا بأعمال مقبولة و عبادات مشكورة.
و في نهج البلاغة روي عن قال أمير المؤمنين عليه السلام قوله في الكلام عن الدنيا: «لَا خَيْرَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَزْوَادِهَا إِلَّا التَّقْوَى» 5، و مع فقدان التقوى فلا خير و لا سرور.



