دور العيد في تجديد العهد مع الله تعالى والمجتمع

لكلِّ مجتمعٍ على وجه الأرض مناسبات جميلة يحتفل بها سنويًّا وفقًا لمعتقداتهم، وعند النَّظر إلى الدِّيانات الإلهيَّة، نجد أنَّ كلَّ دينٍ له مناسبات مميَّزة تُسمى (العيد)؛ فالدِّيانة اليهوديَّة تحتفل بعددٍ من الأعياد مثل عيد الفصح، وعيد رأس السَّنة، وعيد السَّبت وغيرها، وأمَّا الدِّيانة المسيحيَّة، فلها أيضًا مجموعة من الأعياد مثل عيد البشارة، وعيد الميلاد، وعيد القيامة وغيرها؛ قال الله (تبارك وتعالى): (قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)، والإسلام مثل بقيَّة الأديان والمجتمعات خصص مناسبات للاحتفال بذكريَّات هامَّة في تاريخه؛ مثل عيد الأضحى المبارك، وعيد الفطر المبارك، ويوم الجمعة، وعيد الغدير، ويوم التَّاسع من ربيع الأوَّل، وكذلك مناسبات مواليد المعصومين (عليهم السلام)، والبعثة، والإسراء، والمعراج، وما إلى ذلك ممَّا يدخل الفرح على النُّفوس ويذكِّر بالمناسبات المفرحة.
هذه محاور أساسيَّة لا بدَّ من الإلمام بها؛ إذ إنَّ المعرفة تقود إلى العمل وتحقيق ثمار هذا اليوم المبارك؛ لذا، سيتمحور مقالنا حول نقطتين رئيسيتين، تسبقهما تمهيد يُعرِّف بمفهوم العيد.
تعريف العيد:
العيد لغةً: “يستعمل العيد في كلِّ يوم فيه مسرَّة”، وقيل: “العيد السرور العائد”.
وأمَّا العيد في المصطلح الشَّرعي: “هو عبادة يعبِّر بها المسلم من خلالها عن انتصاره فيما سبقها من واجب كعيد الأضحى في إكمال فريضة الحج، وعيد الفطر بعد إكمال فريضة الصِّيام”، وإذا صار معلومًا تعريف العيد نأتي الآن حتَّى نركِّز على محورينِ مهمَّين للغاية: المحور الأوَّل: مميزات عيد الفطر
يقع عيد الفطر السَّعيد في أوَّل شهر شوَّال المكرَّم وكما هو المعروف، ويتميَّز بمميِّزات عدَّة:
أوَّلًا: يوم نزول الرَّحمة والمغفرة.
عيد الفطر يمثِّل ختام مرحلة زمنيَّة تزوَّد فيها الإنسان بصفات حميدة وخلال طيِّبة، ليكون منطلقًا نحو تحقيق أهداف ساميَّة وإنجاز أعمال صالحة تعكس أثر تلك المرحلة على سلوكه وحياته؛ وبالتَّالي تثمر هذه المدَّة الحصول على رحمة الله (تعالى) ومغفرته؛ عن رسول الله محمَّد (صلى الله عليه وآله): “فَإِذا كانَت غَداةُ يَومِ الفِطرِ بَعَثَ اللهُ المَلائِكَةَ في كُلِّ البِلادِ، فَيَهبِطونَ إلَى الأَرضِ ويَقِفونَ عَلى أفواهِ السِّكَكِ، فَيَقولونَ: يا أمَّةَ مُحَمَّدٍ، اخرُجوا إلى رَبٍّ كَريمٍ؛ يُعطِي الجَزيلَ ويَغفِرُ العَظيمَ، فَإِذا بَرَزوا إلى مُصَلَّاهُم قالَ اللهُ (عزَّ وجلَّ) لِلمَلائِكَةِ: مَلائِكَتي، ما جَزاءُ الأَجيرِ إذا عَمِلَ عَمَلَهُ؟
فَتَقولُ المَلائِكَةُ: إلهَنا وسَيِّدَنا، جَزاؤُهُ أن تُوَفِّيَ أجرَهُ.
فَيَقولُ اللهُ (عزَّ وجلَّ): فَإِنّي أشهِدُكُم مَلائِكَتي، أنِّي قَد جَعَلتُ ثَوابَهُم عَن صِيامِهِم شَهرَ رَمَضانَ وقِيامِهِم فيهِ رِضايَ ومَغفِرَتي”.
وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): “إنَّ أدنى ما لِلصَّائمينَ والصَّائماتِ أن يُنادِيَهُم مَلَكٌ في آخِرِ يَومٍ مِن شَهرِ رَمَضانَ: أبشِروا عِبادَ اللهِ؛ فقَد غُفِرَ لَكُم ما سَلَفَ مِن ذُنوبِكُم، فَانظُروا كَيفَ تَكونونَ فيما تَستَأنِفونَ؟”.
وعن الإمام الحسن (عليه السلام): “إِنَّ الله (عَزَّ وجَلَّ) خَلَقَ شَهْرَ رَمَضَانَ مِضْمَارًا لِخَلْقِه لِيَسْتَبِقُوا فِيه بِطَاعَتِه إِلَى رِضْوَانِه، فَسَبَقَ فِيه قَوْمٌ فَفَازُوا، وتَخَلَّفَ آخَرُونَ فَخَابُوا؛ فَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ مِنَ الضَّاحِكِ اللَّاعِبِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يُثَابُ فِيه المُحْسِنُونَ، ويَخِيبُ فِيه المُقَصِّرُونَ، وأيْمُ الله لَوْ كُشِفَ الْغِطَاءُ لَشُغِلَ مُحْسِنٌ بِإِحْسَانِه ومُسِيءٌ بِإِسَاءَتِه”.
ثانيًا: الشبيه بيوم القيامة.
عيد الفطر يشبه يوم القيامة في كونه نهاية فترة من الاختبار والعبادة، وبعدها ينال المؤمنون جزاء أعمالهم، ويستعدُّون للانطلاق نحو مرحلة جديدة من الطَّاعات والإنجازات؛ عن الإمام الصَّادق (عليه السلام): “خَطَبَ أميرُ المُؤمِنينَ عَلِيُّ ابنُ أبي طالِبٍ (عليه السلام) يَومَ الفِطرِ فقالَ: أيُّها النّاسُ، إنَّ يَومَكُم هذا يَومٌ يُثابُ فيهِ المُحسِنونَ ويَخسَرُ فيهِ المُبطِلونَ، وهُوَ أشبَهُ بِيَومِ قِيامِكُم، فَاذكُروا بِخُروجِكُم مِن مَنازِلِكُم إلى مُصَلَّاكُم خُروجَكُم مِنَ الأجداثِ إلى رَبِّكُم، وَاذكُروا بِوُقوفِكُم في مُصَلَّاكُم وُقوفَكُم بَينَ يَدَي رَبِّكُم، وَاذكُروا بِرُجوعِكُم إلى مَنازِلِكُم رُجوعَكُم إلى مَنازِلِكُم في الجَنَّةِ!”.
ثالثًا: يوم الجوائز الإلهيَّة.
عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: “ادعُ فِي الجُمُعَةِ وَالعيدَينِ، إذا تَهَيَّأتَ لِلخُروجِ فَقُل: اللَّهُمَّ مَن تَهَيَّأَ في هذَا اليَومِ أو تَعَبَّأَ أو أعَدَّ وَاستَعَدَّ لِوِفادَةٍ إلى مَخلوقٍ رَجاءَ رِفدِهِ وجائِزَتِهِ ونَوافِلِهِ، فَإِلَيكَ يا سَيِّدي كانَت وِفادَتي وتَهيِئَتي وإعدادي وَاستِعدادي، رَجاءَ رِفدِكَ وجَوائِزِكَ ونَوافِلِكَ. اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ عَبدِكَ ورَسولِكَ وخِيَرَتِكَ مِن خَلقِكَ، وعَلى أميرِ المُؤمِنينَ ووَصِيِّ رَسولِكَ، وصَلِّ يا رَبِّ عَلى أئِمَّةِ المُؤمِنينَ: الحَسَنِ وَالحُسَينِ وعَلِيٍّ ومُحَمَّدٍ. تُسَمّيهِم إلى آخِرِهِم حَتَّى تَنتَهِيَ إلى صاحِبِكَ (عليه السلام)”.
ويروى أنَّه نظر الإمام الحسن (عليه السلام) إلى قوم يضحكون ويلعبون في عيد الفطر؛ فقال (عليه السلام): “إنْ كَانَ هؤلاءِ ممنْ غفرَ لهم فما هذا فعلُ الشَّاكرينَ، وإنْ كانَ لم يغفرْ لهم فما هذَا فعلُ المذنبينَ”، وقال العالم الجليل ابن طاووس (رضوان الله عليه): “اعلم أنَّ نهار يوم العيد فتح باب سعيد وتجديد فضل جديد لم يجر مثله منذ سنة ماضيَّة ويمضي، فلا يعود مثله الى نحو سنة آتية. وما يخفى على ذوي الألباب أنَّ فتح الأبواب التي تكون في الأوقات المتباعدات بزيادات السَّعادات لها حقُّ التعظيم والاحترام، وحقُّ الاعتراف لصاحب الانعام ولزوم الآداب في سائر الأسباب مع مالك يوم الحساب”.
رابعًا: يوم النَّدم على فوات الفرص.
يوم العيد فرصة يخسر كلُّ من لم يستغلها للحصول على خير الدنيا والآخرة، وتبدأ هذه الفرصة من مغرب الليلة التي تسبق اليوم إلى مغرب يوم العيد.
عن أمير المؤمنين (عليه السلام): “مَنْ وَجَدَ مَوْرِدًا عَذْبًا يَرْتَوِي مِنْهُ فَلَمْ يَغْتَنِمْهُ يُوشِكُ أَنْ يَظْمَأَ وَيَطْلُبَهُ فَلَا يَجِدَهُ”.
وعنه (عليه السلام): “مَاضِي يَوْمِكَ فَائِتٌ وَآتِيهِ مُتَّهَمٌ وَوَقْتُكَ مُغْتَنَمٌ، فَبَادِرْ فِيهِ فُرْصَةَ الْإِمْكَانِ وَإِيَّاكَ أَنْ تَثِقَ بِالزَّمَانِ” وعنه (عليه السلام): “مَنْ أَخَّرَ الْفُرْصَةَ عَنْ وَقْتِهَا فَلْيَكُنْ عَلَى ثِقَةٍ مِنْ فَوْتِهَا”.



