التضامن الاجتماعي في الإسلام

د. علاء إبراهيم محمود الحسيني..
أرسى الدين الإسلامي الحنيف قيماً ودعائم من شأنها ان تنتشل المجتمع من شتى أنواع المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية وبالخصوص تأكيد الشريعة السمحاء على قيم التضامن بين المؤمنين بما من شأنه ان يرسخ حالة من الإخاء والتعايش السلمي، والحقيقة ان الإسلام تفرد بمنهج حقق تغييراً فريداً بالمجتمع.
وكانت نقطة الشروع في ذلك التأكيد على أواصر الأخوة والصلات الإنسانية القائمة على الرحمة والتسامح والتأكيد على المساواة المطلقة بين الجميع ونتج عما تقدم تحطيم للقيم الجاهلية البالية التي كانت تتغذى على التمييز والعنصرية والفردية القائمة على التفاخر بالأموال والأنساب والأولاد.
وسط هذا الواقع المؤلم، انطلقت دعوة للتكافل والتضامن والمساواة، فشكلت ثورة أخلاقية حقيقية ودعوة للعودة إلى النواميس الإنسانية ومصداق لما تقدم قول النبي الأكرم محمد “صلى الله عليه وآله وسلم“: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)) فالدعوة للإيثار والابتعاد عن مرض الحسد والتباغض من شأنها ان تنتشل الفرد من الكثير من الأمراض النفسية، ويقول “صلى الله عليه وآله“: ((لا تَحَاسَدُوا، ولَا تَنَاجَشُوا، ولَا تَبَاغَضُوا، ولَا تَدَابَرُوا، ولَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، ولَا يَخْذُلُهُ، ولَا يَحْقِرُهُ))، والحديث النبوي المتقدم يكرس الحالة الطبيعية بين المسلمين، فهم أخوة متساوون لا فرق بينهم كأسنان المشط ما يؤسس لعلاقة أخلاقية قائمة الاحترام والتعاون والتعايش.
فبالعودة إلى الحكمة الظاهرة من تشريع الزكاة أو الصدقات، نجد ان الله تبارك وتعالى يبين لنا في القرآن إنها تزكية للنفس أولاً والسبيل الأمثل لتحقيق التضامن الاجتماعي ((خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ))، ويؤكد الشارع المقدس تلك الغاية على نحو الوجوب وليس فقط التخيير بقوله تعالى: ((وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُوم ٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ)).
وتأكيداً لهذا المعنى الإنساني النبيل يقول الرسول محمد “صلى الله عليه وآله وسلم“: ((ان الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه)) ويؤكد في مناسبة أخرى، ان المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى))، فالإسلام يهدف إلى ترسيخ التكافل الاجتماعي كأساس لعلاقة الفرد بالفرد ولعلاقة الدولة الإسلامية بالفرد ولما تقدم يمكن مقاومة الآفات الاجتماعية التي تنخر جسد المجتمع كالفقر والبطالة والتفاوت الاجتماعي وما ينتج عنه من حسد أو تباغض أو تباعد.
ويمكن لنا ان نتتبع بعض مظاهر التضامن الاجتماعي في الإسلام من خلال الآتي:-
أولاً: ان بناء الأسرة المسلمة قوامه التضامن الاجتماعي دليل ذلك قوله تعالى: ((وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ))، فالمودة والرحمة هما السبيل إلى بناء حياة أسرية قائمة على التضامن في السراء والضراء، ليس هذا فقط بل ان العلاقة بين الأبوين والأبناء مبنية على أساس التضامن قبل الوشائج الناتجة عن القربى، إذ يقول تعالى: ((وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ)).
ثانياً: في إطار العلاقة بالآخرين، يربينا الدين الإسلامي على الكثير من الممارسات والمفاهيم الإنسانية المستوحاة من التضامن الاجتماعي ومنها على سبيل المثال، الحث احترام العلاقات الإنسانية الناشئة بين أفراد المجتمع وفي مقدمتها العلاقة بالجار حيث نجد القرآن الحكيم يأمر برعايته ويقول تعالى: ((وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)) كما أن رسول الله “صلى الله عليه وآله” يكثر من الوصية بالجار، حيث يروي بعض الصحابة حديثاً عن رسول الله يقول فيه: ((مَازَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالجارِ حتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سيُوَرِّثُهُ)).
ولقد ورد في رسالة الحقوق للإمام زين العابدين “عليه السلام” قوله: ((وأما حق السائل فإعطاؤه إذا تهيأت صدقة، وقدرت على سد حاجته، والدعاء له في ما نزل به، والمعاونة له على طلبته، وإن شككت في صدقه، وسبقت إليه التهمة، ولم تعزم على ذلك لم تأمن من أن يكون من كيد الشيطان أراد أن يصدك عن حظك ويحول بينك وبين التقرب إلى ربك، وتركته بستره، ورددته رداً جميلاً، وإن غلبت نفسك في أمره، وأعطيته على ما عرض في نفسك منه، فإن ذلك من عزم الأمور))، بل امتدت الرحمة في الإسلام إلى غير المسلمين ليشملوا بالتكافل الاجتماعي، إذ يقول تعالى: ((لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ)).
ونعتقد ان الغاية من تشريع الصوم في شهر رمضان المبارك انه دعوة إلهية للجميع لاستذكار التضامن والشعور بالفقير والمحروم وترويض النفس، إذ يقول تعالى: ((شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ)).



