اخر الأخبار

تساؤلات عن حلم كردي لن يتحقق

من الاجحاف ان نتجاهل طموحات الشعب الكردي, في تحقيق حلمه بانشاء دولته المستقلة, فالأكراد يعدون أكبر مجموعة قومية وعرقية بلا دولة, ولعل الظروف التاريخية والجغرافية التي عاشوا فيها, وتداخل مصالح القوى الدولية والإقليمية, هو الذي حرمهم من تأسيس دولتهم أسوة بشعوب المنطقة, وتمت شرعنة هذا الظلم الذي وقع عليهم, في اتفاقيات دولية وقعت عليها الدول العظمى, التي هيمنت على مقدرات المنطقة, بعد أفول نجم الدولة العثمانية, وصارت هذه الاتفاقيات مرجعاً قانونياً لترسيم الحدود, وتحديد مصائر الشعوب ومنها الشعب الكردي.
قد يقول قائل ان من حق الشعوب تقرير مصيرها, سواء بالاستفتاء أو حتى بالنضال المسلح, ولكن عملية تأسيس الدول تخضع للتوافق الدولي, وكذلك فان قدرة الدول الوليدة على الحياة, مرهون بمحيطها الجيوسياسي, إضافة إلى إمكاناتها الذاتية, والموقع الجغرافي للمناطق الكردية, يعاني من خلل قاتل, يتمثل في عدم وجود إطلالة بحرية, تمكنها من التواصل التجاري مع العالم, ومحاطة بدول ستتعامل معها بعدائية, كونها قد اقتطعت أو تمهد لاقتطاع أجزاء منها, وبالتالي يصبح مصير الدولة الكردية, مرهوناً بعلاقاتها السياسية مع هذا المحيط, مما يجعلها عرضة للابتزاز المستمر.
أما فرضية اعادة رسم حدود المنطقة بالدم, وإلغاء اتفاقات سايكس بيكو, والتعويل على تطبيق اتفاقية سيفر, التي ينطلق منها الأكراد اليوم لتسويق مشروعهم, فانه وعلى الرغم من قبول أمريكا وبعض الدول به , إلا أن هذا الأمر مرهون بمدى قدرة هذه الدول, على خلق ظروف تنفيذه على الأرض, وخصوصاً في سوريا والعراق, وجميع المعطيات تؤكد, عدم قدرة أمريكا على النجاح في هذا المشروع, نتيجة تصدي محور المقاومة, كما يصطدم بالإرادة التركية, لان تركيا مازالت ترى لنفسها حقاً في ولاية الموصل, التي تضم جميع إقليم كردستان بما فيها كركوك, مستندة الى اتفاقية عام 1926, التي نصت على منع إقامة دولة كردية في العراق, وان حصل فان من حق تركيا إعادة ضم ولاية الموصل اليها.
لذلك علينا ان نبحث في المغامرة الكردية التي يقودها البارزاني, وتحديه للحكومة العراقية, من خلال تحركه المحموم, للسيطرة على مناطق في الموصل وضمها الى الاقليم، لانه إذا كانت معطيات التاريخ, لا تسمح له بإعلان دولة كردية, فلماذا يجازف في تحركاته, ومن الذي يطلق العنان له في تنفيذ أهداف لا تتحقق، بالتأكيد لا توجد قوة يستطيع البارزاني الركون اليها غير أمريكا واسرائيل، أما القوى الأخرى فلا تنسجم مع هذه الأحلام غير الواقعية وتقف بالضد منها.
فهل يدرك البارزاني أن أمريكا وإسرائيل, تتخذانه أداة لتنفيذ مآربهما، وإلا فان الظرف الحالي, هو الأكثر مثالية لاعلان الدولة الكردية، وان أمريكا تمتلك من النفوذ, ما يمكنها من فرض هذه الدولة, والدفاع عن وجودها عسكرياً ودبلوماسياً، فلماذا تمارس دور الداعم والراعي للحلم الكردي الذي لن يتحقق، أليس لأنها تستثمره كورقة ضغط وابتزاز على دول المنطقة, كتركيا وإيران والعراق وسوريا ؟.
هذه من بديهيات السياسة الأمريكية, التي لا تخفى أبجدياتها على احد, فكيف يصر البارزاني على مخالفتها، فهل هو هروب الى الأمام من أزمته السياسية, مع شركائه في إدارة الإقليم, والعمل على صناعة اوهام تعتاش عليها المخيلة الشعبية الكردية, ليبقى في نظرها بطلاً قومياً, أم هي أدوار لا بد له ان يؤديها, خدمة لمخططات أمريكية, تهدف إلى السيطرة على مقدرات هذه المنطقة الحيوية, وإبقائها بؤرة أزمات تدار منها الحرب, ضد الدول التي تشكل تهديداً على المصالح الامريكية وأمن اسرائيل.
للتاريخ لسان كما يقال, ولكنه يتكلم بلغة لا يفهمها إلا الحكماء، وقلوبنا مع الشعب الكردي, الذي نتمنّى ان يدرك ان بعض قياداته, تتلاعب بمصيره وتبيع عليه الاوهام.

محمد محي

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى