اخر الأخبارثقافية

في يوم الأربعين

حيدر الأديب
في يوم الأربعين
كان الطريق أطول من أعمارنا
وكانت خطى الزائرين
تخيط بين التراب والسماء
مئذنة من التعب
كل قدم
كانت تخرج من جسد صاحبها تسبق اسمه إلى الحسين
والليل
يمد عباءته السوداء
على كتفي العراق
كي لا يرى أحد
ارتجاف قلبه
قلت لروحي
وقد ضيعت الجهات أبوابها
إني آنست نارا
فمشت بي
هي تعرف ذلك الضوء
منذ ولدت في طين الفرات
كانت النار جهة
وكان الحسين
واقفاً في آخر الوحشة
يرفع للتائهين قلبه
كلما اقتربت
احترق مني طريق
وانفتح طريق
سقط الخوف من صدري
كورقة يابسة
وسقطت أعوامي
واحدة بعد أخرى
حتى وصلت إليه
طفلا يحمل عمره على كتفيه
يا حسين
أتيتك من مدن
تطفئ مصابيحها
كي تنام مطمئنة إلى عماها
أتيتك من زمن
يبيع وجهه كل صباح
ويعود
بلا ملامح
أتيتك
وفي يدي جوع كثير
وفي قلبي ليل
لا يعرف كيف ينتهي
فخذني إلى نارك
دعها تمر على روحي
كما مر النداء على قلب موسى
فتجعل من رعشتي يقينا
ومن غربتي اسما
ومن خطوتي عهدا
أنا زائرك
وقد آنست نارا
لم أطلب منها قبسا لبيتي
طلبت قبسا لضميري
طلبت أن أعرف
كيف يقف الإنسان وحيدا
وتقف معه الأرض
كيف يسقط الجسد
ويبقى الموقف قائما
كيف يصير القبر
نافذة
ويصير الزائر
من شدة الشوق
طريقا
في ليلة الأربعين
كان الناس يمشون نحوك
وكان كل واحد منهم
يحمل كربلاءه في صدره
امرأة
تخبئ دمعتها في طرف عباءتها
شيخ
يسند خطاه إلى اسمك
طفل
يسأل الطريق
كم بقي للحسين
وأنا بينهم
أجمع قلبي من التراب
وأرفعه إليك
إني آنست نارا
قالتها روحي
حين رأت قبتك
تطلع من آخر الليل
كأن الفجر
تأخر كل هذه القرون
كي يولد من هناك
يا حسين
ما جئتك لأبكيك وحدك
جئتك
كي أبكي نفسي
حين عاشت أقل من موقفك
جئتك
كي أسترد من نارك
وجهي الذي أطفأته الأيام
جئتك
كي أعود إلى العالم
وفي صدري قبس
يعرف الظالم من ظله
ويعرف الحر
من أول خطوة
وحين وصلت
لم أر نارا
رأيت قلبا
كلما احترق
أضاء الطريق
ورأيت موسى روحي
يخلع نعليه عند عتبتك
ويرتجف
إني آنست نارا
وكانت كربلاء
تقول للمارين
هذا هو الطريق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى