مدينة عراقية تحافظ على إرث صناعة “الجاون”

في ناحية بهرز بمحافظة ديالى، يقف أحمد قائد “18 عاما”، بين الماضي والحاضر وهو يحمل إرثاً عمره أكثر من قرن يتعلق بصناعة الجاون.
وفي هذا العام، يشهد مستقبله الدراسي مفترق طرق، فهو في الصف السادس الإعدادي، وعمله يحتم عليه قضاء يومه في ورشة النجارة التي أسسها جده الحاج علي، إذ تعلم منذ صغره فن صناعة الجاون الخشبي، تلك الأداة التراثية التي ارتبطت بالعائلات العراقية لسنوات طوال.
يقول أحمد: “بعد المدرسة، أذهب إلى الورشة وأعمل، وتعلمت المهنة منذ صغري عندما كنت أرافق جدي، وعلمني كيف أصنع الجاون الخشبي الذي كان يستخدم لطحن الحبوب والأعشاب قبل ظهور الأدوات الحديثة، وحاليا يصنع الجاون لدق حلاوة التمر “المدكوكة”، وهي جزء من تقاليدنا الشتوية”.
وورث أحمد هذه المهنة النادرة في العراق، وخاصة في بهرز، إذ لم يتبقَ سوى صانعين اثنين فقط للجاون. ويضيف: “نحن من أقدم العائلات التي تعمل بهذه المهنة، ونصنع الجاون من أخشاب السدر، أو التوث، أو الغرف، لكن خشب السدر هو الأفضل والأكثر طلبا”.
ويتابع: “تبدأ رحلة صناعة الجاون بجلب الأخشاب من بساتين بهرز، ثم تمر بعدة مراحل شاقة من إزالة الغلاف بالقشط، ثم التورنة، ثم الحفر بالرندة، ثم التنعيم بالورق الخشن، وأخيراً الطلاء بالزفت للحفاظ على متانته ضد الرطوبة والأرضة”.
ويوضح أحمد، أن “الطلب على الجاون الخشبي مازال مستمرا، إذ تطلب هذه القطع التراثية من محافظات مختلفة مثل كركوك والسليمانية وواسط، فيما تتراوح أسعارها بين 75 إلى 80 ألف دينار، مما يوفر مصدر دخل جيداً”.
ورغم صعوبة المهنة وندرتها، يصر أحمد على الاستمرار في الحفاظ على هذا الإرث العائلي، فهو لا يرى في الجاون قطعة خشبية وإنما رمز لتأريخ عائلته وتراث بهرز الذي يفتخر به.
ورغم ان المستورد يغزو الأسواق بشكل كبير، إلا ان الحرف اليدوية التي تعد أكثرها من التراث الذي يحافظ عليه الناس، لا تزال صامدة وتأخذ مداها في بغداد والمحافظات، إذ يحافظ عليها محترفوها جيلاً بعد جيل.



