اخر الأخباراوراق المراقب

البقاء في التأريخ

زكي الميلاد..

الأصل في الإنسان وبخلاف الكائنات الأخرى أن يبقى في التأريخ، وجاء إلى الحياة أساساً لكي يبقى في التأريخ، وهذا ليس حكماً لازماً وضرورياً بمعنى أن كل إنسان لا بدَّ له من البقاء في التأريخ على نحو البقاء الفعلي، لأن هذا البقاء لا يتحقق بفعل عامل الطبيعة الإنسانية المجردة، وإنما بمعنى أن الإنسان له القابلية والقدرة على ذلك، متى ما أراد وسعى سعيه في هذا السبيل.

والتأريخ نفسه يكشف لنا عن هذه الحقيقة، فليس جميع البشر الذين مروا على الحياة استطاعوا البقاء في التأريخ، لكن الذين بقوا فيه كانوا من البشر، ولكون هؤلاء من البشر فإن باستطاعة كل إنسان أن يكون مثلهم، ويقتفي أثرهم، ويسلك دربهم، والتعرف على هؤلاء هو الذي يفسر لنا كيف تمكنوا دون سواهم من البقاء في التأريخ.

والمقصود من البقاء في التأريخ، البقاء الذي يتغلب على المحو والنسيان والإهمال، ويستعصي على الإلغاء والإقصاء والتغييب السببي والطبيعي والزمني. السببي الذي يرتبط بعامل القصد والإرادة ويكون الإنسان سبباً وفاعلاً فيه، والطبيعي الذي لا يرتبط بعامل القصد والإرادة، ولا يكون الإنسان سبباً وفاعلاً فيه، وإنما يرجع إلى عوامل طبيعية تكون سبباً في المحو والنسيان والإهمال، والزمني الذي يرتبط بعامل الوقت، ويظهر تأثيره مع توالي الأيام، وتقادم الزمان، وتعاقب الأجيال، حيث تكون الأيام تداول بين الناس، مصداقاً لقوله تعالى (وتلك الأيام نداولها بين الناس)، وهذا العامل هو عامل شديد الفاعلية والتأثير، ولا يكون ظاهراً ومرئياً في المحو والنسيان والإهمال.

وفي القانون الوضعي القديم والحديث، يجري الحديث عن نظام التقادم وأثره في كسب الملكية وفي إسقاطها، وهكذا في مجال الحديث عن الحدود والعقوبات التي تسقط ويتغير حكمها وطريقة التعامل معها مع تقادم الزمن، وذلك في دلالة على تأثير تقادم الزمن في منطق القانون وعند المشرع القانوني.

والبقاء في التأريخ يمثل تحدياً حقيقياً ومستمراً للإنسان، فأمامه خياران لا ثالث لهما، إما البقاء في التأريخ، وإما المحو والخروج منه، والثالث مرفوع كما يقال في المنطق القديم.

وكون البقاء في التأريخ يمثل تحدياً، لأنه يتوقف على إرادة الإنسان وقدرته في إنجاز الأعمال العظيمة والخالدة، على اختلاف مجالاتها وميادينها العلمية والاجتماعية وغيرها، الأعمال التي تتجاوز الحدود الثلاثية الأبعاد، حدود الذات، وحدود الزمان، وحدود المكان. فالعمل الذي يبقى في حدود الذات ولا يصل إلى المجال الإنساني لعدم الكفاية والقدرة على ذلك، فإن هذا العمل لا يرفع صاحبه إلى منزلة البقاء في التأريخ، والعمل الذي يبقى في حدود زمانه ولا يكون عابراً للأزمنة والعصور، فإنه أيضاً لا يصعد بصاحبه إلى درجة البقاء في التأريخ، حيث ينتهي بانتهاء أجله وزمنه، وهكذا حال العمل الذي يبقى في حدود المكان ويتأطر به ولا يتخطاه.

لهذا فإن الذين استطاعوا البقاء في التأريخ هم أولئك الذين قدموا للإنسانية أعمالاً عظيمة وخالدة تجاوزت حدود الذات، وحدود الزمان والمكان، ووصلت إلى المجال الإنساني، واعترفت لهم المجتمعات الإنسانية على تعدد وتنوع هوياتها وأديانها، لغاتها وقومياتها، تأريخها وجغرافيتها بهذه الأعمال الجليلة والخالدة، وظلت هذه المجتمعات تذكرهم جيلاً بعد جيل، وتتوارث الحديث عنهم اعترافاً لهم بالفضل والتفوق، وتقديراً لعطائهم واجتهادهم، وتخليداً لمكانتهم ومنزلتهم.

هناك من يبقى في التأريخ على أساس المدة القصيرة، إلى جانب من يبقى فيه على أساس المدة الطويلة، وهذا يعني أن البقاء في التأريخ ليس نهائياً وأبدياً بالضرورة وللجميع، فقد يرتبط بأجل ويكون قصيراً بالنسبة للبعض، وقد يرتبط بأجل طويل بالنسبة للبعض الآخر.

وتتحكم بهذا الأجل قصيراً أو طويلاً، عناصر وشروط عديدة ومختلفة، متصلة ومنفصلة، منها ما يرتبط بطبيعة البيئة ومكوناتها الاجتماعية، ومنها ما يرتبط بطبيعة الإنجاز ومستوى العمل، ومنها ما يرتبط بطبيعة الشخص نفسه وملامح شخصيته، ومنها ما يرتبط بطبيعة المجال ونوعية التخصص والاهتمام، ومنها ما يرتبط بطبيعة اللحظة التأريخية التي يظهر فيها الشخص أو يتصل بها، إلى جانب عناصر وشروط أخرى.

ويصلح ابن خلدون مثالاً آخر على ذلك في المجال الإسلامي، فهو الذي عاش ما بين القرن الثامن والعقد الأول من القرن التاسع الهجري، وما زال يمثل قوة الحضور في عصرنا وبشكل يفوق وبلا قياس، الكثير من المعاصرين، ولا تكاد تتوقف عنه الكتابات والدراسات وحتى الرسائل والأطروحات الجامعية، وكأنه أحد المعاصرين المؤثرين في مجال المعرفة الاجتماعية والإسلامية. والمفارقة اللافتة في هذا الشأن، أن قوة حضور ابن خلدون في عصرنا تفوق ما كان عليه من حضور في عصره وما بعد عصره، ويصدق عليه وصف الذي كان خارج التأريخ لفترة، واستعاد حضوره وتفوقه في فترة أخرى، ومنها بقي في التأريخ.

وهذا يعني أن بإمكان الإنسان عبور الأزمنة والعصور مهما كانت طبيعتها والظروف والتطورات التي مرت عليها، والبقاء في التأريخ متى ما استطاع إنجاز عمل بمستوى أو يفوق ما أنجزه أولئك الذين أبقاهم التأريخ في ذاكرته مؤثرين وفاعلين، إلى جانب شروط أخرى في مقدمتها الوعي بفكرة التأريخ، الوعي الذي يجعل التأريخ حاضراً في إدراك الفرد، ومحفزاً له على إنجاز الأعمال الكبيرة التي تجعل صاحبها مذكوراً في التأريخ.

والشاهد من ذلك، إن من يفكر بالبقاء في التأريخ فإنه لا يراهن على التأثيرات السريعة والفورية والآنية والعاطفية، التي يمحوها التأريخ سريعاً، وتزول مع مرور الوقت، وإنما يراهن على التأثيرات البعيدة والعميقة والراسخة والعقلية، التي لا يمحوها التأريخ، ولا تزول مع مرور الوقت.

وعلى الإنسان أن يكون واعياً وبصيراً، ويخير نفسه بين البقاء في التأريخ، أو الخروج منه، لكي يقرر مصيره بنفسه، ويرسم طريق مستقبله، ويحدد وجهته في الحياة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى