الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) وطواغيت عصره

بقلم: الدكتور محمد حسين علي الصغير..
المبادئ السياسية المتقابلة
كانت السلطات القائمة في عصر الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) تنطلق سياسياً من واقع أرستقراطي قائم على أساس الأثرة والاستعلاء، بينما كانت سياسة الإمام تنطلق من واقع اسلامي متوازن، معنياً للعدل الاجتماعي المفقود، وألقاً من النصح الكريم في بعث القدرات الانسانية، ودليلاً على القيم التي تشجب عبادة الدولة والأصنام البشرية، مؤكدة المبادئ التي تعتبر الانسان مخلوقاً رفيعاً له كرامته المضمونة في إطار تعليمات الدولة الاسلامية التي تستنكر كون الفرد عبداً للدولة.
ومن هنا كانت الفروق المميزة بين واقعين متناقضين، واقع الاستبداد المطلق المتمثل بسلاطين الجور، وواقع الكرامة الانسانية المتمثلة بأفكار الإمام “ع”.
وكان استنطاق الوثائق التأريخية المحايدة، واستحضار النصوص الطريفة لحياة الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) في الرصد والتوجيه والتأثير، قد أحدثت في الأفق العام، صوتاً مدوياً، حاول البحث القاء المزيد من الضوء على معطياته، وقد تأكد لنا من أبعاده وجوانبه استيعاب الإمام المشروع الطموح البشري في العدل والمساواة والحرية الاجتماعية، مما أوجد حالة كبرى في الاستنفار اليقظ من ركود الماضي إلى الانبعاث الجديد من التحرر والانعتاق من تجاوزات السياسة الجافة التي انتهجتها خلائق السوء ودعاة التخريب الجماعي، فكان الانقلاب الجذري في فكر الإنسان المسلم الواعي وحياته الحقيقية منطلقاً ـ في ضوء توجيه الإمام ـ لمعالجته الوضع الشاذ في أنماطه المأساوية.
إذ انفتح العقل الانساني على معايير جديدة في الأحكام والأعراف والتقييم الموضوعي تختلف على تلك الأعراف الشائعة وراء حجز الأفكار ووأد المنطلق المنطقي للإنسان، مما جعل النظام العباسي يعيش في عزلة قاتلة بين أفياء القصور وأحضان الجواري والمولدات، وهو يبتعد عن هموم الشعب، والشعب يبتعد عن همومه، فهما مفترقان لا يلتقيان، وان فرضت السيطرة بالقوة والاكراه نوعاً من الطاعة، ولكن هذا الفرض قد يتعكر صفوه بالانتفاضات المسلحة، فلم يكتب للدولة العباسية الاستقرار السياسي إلا في ظل مسرحيات مفضوحة الغايات حاولها النظام للحل المؤقت، كلجوئه إلى نصب الإمام الثامن من أئمة أهل البيت؛ الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) في مركز ولاية العهد للمأمون ريثما تهدأ العاصفة.
ولقد أصيب المجتمع الاسلامي بالشلل التام والانكماش على الذات، جراء ما يعانيه من مخلفات هذا الوضع الغريب حتى أسقط في يده، ولكن التجربة الرافضة لظواهر التمزق الداخلي، والتي نهض بها الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) بصلابة وأناة، تعطي الجماعة الاسلامية زخما متحركا في مجابهة المناخ المريض الملوث، وتمد الأمة قوة وفتوة للانطلاق الغاضب على العنف والتسلط.
وكان الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) أنموذجاً لا مثيل له في اشراق الضمير وتوهج الذات، فحقق مبدأ «الغيرية» الذي يعيش فيه القائد الفذ لغيره من الناس لا لنفسه، وتلك هي التضحية التي ندبت لها شريعة السماء.
لقد كان بإمكان الامام، أن يغض طرفا عن تجاوزات الحكم العباسي فحسب، لا أن يجاريه أو يؤيده، فالحاكم لا يطمح بذلك، ولو تجاوز الإمام ما رسمه لنفسه لعاش في بحبوحة من النعيم، بين القصور الفارهة والحياة الرغيدة، ولكنه لم يخلق لهذا قط، بل انتصب شاخصاً ماثلاً للمبادئ الرسالية التي ترفض كل صيغ المحاباة والاستئثار بحقوق الفرد والأمة، فكانت المجابهة للاضطهاد والاستبداد تشكل نظرة مستقبلية لإرساء مرجعية أهل البيت في اثراء الضمير الانساني بالموقف الصلب، والمبدأ الثابت، والحياة الحرة الكريمة، دونما إراقة دماء بريئة، أو إثارة معارك عقيمة، فليكن والحالة هذه هو الضحية لهذا التوجه الناهض، فما خلق الإمام ليريح أو يستريح، بل ليناضل ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وكان تكليفه الشرعي هو الذي يملي عليه طبيعة العمل والتعبير عن الموقف بطرقه الخاصة التي تتفادى الصراع المرير بين الجمهور الأعزل المضطهد، وبين القوى الفاعلة وهي تتسلح بالجبروت والجيش المدرب، وبذلك استطاع الإمام تحقيق هدفين مهمين في سهم واحد:-
الأول: مجابهة التعالي وشريعة الغاب؛ بالقول الصارم، أو النضال السلبي الهادر، أو الكلمة النافذة إلى الأعماق، وهي تزلزل عروش الطغاة وكبرياء الجبابرة.
الثاني: الابقاء بحدود كبيرة على البقية المؤمنة، دون التفريط بها في خنادق القتال وميادين الحروب المدمرة، فقد رأي الإمام ـ على قلة أنصاره ـ أن القتال لا يحقق له نصراً فعلياً ولا مستقبلياً، فعليه أن يسلك بأتباعه بحلم ورؤية، ويحفزهم بإعداد القوة الى الظرف المناسب.
وكان عصر الإمام قد أتاح له الالتقاء البغيض بطواغيت عصره من بني العباس، فكانت مبادئه متقاطعة مع كل من: أبي جعفر المنصور، والمهدي العباسي، وموسى الهادي، وهارون الرشيد، وهم يمثلون الدولة العباسية في قوتها وعنفوانها.
وسنلاحظ عن قرب مدى الاستهانة بالقيم الانسانية والأخلاقية لدى هؤلاء، والإمام موسى بن جعفر كالجبل الأشم رسوخا وثباتا وقيما.
في استخلاف المنصور
لم يكن المنصور حازماً كما صوره مدونو التأريخ، ولم يكن داهية كما يصفه رواة الأحداث، بل كان من جبابرة الأرض الذين سفكوا الدماء، وانتهكوا الحرمات، ولم يكن ليتعامل بمنظور ديني على الاطلاق، وانما هو الملك الدنيوي العقيم، فهو لا يتورع عن ارتكاب أفظع الجرائم والموبقات ازاء تثبيت أركان مملكته، ولا أدل على ذلك ما اقترفه من قتل الحسنيين تحت كل حجر ومدر، ومن تتبع آثار المعارضين إبادة وسجوناً وطوامير، حتى طفح الاناء بما فيه شدة وقسوة وتنكيلا.
ومع أن التأريخ الرسمي قد منح الطغاة، هالة من التعظيم وشيئا من الاكبار، إلا أن شذرات من تقريراته قد فضحت ذلك الستار الشفاف الذي أحيط بتلك الأبراج العاجية التي استقل في ظلالها دعاة الجور وقتلة الأبرياء. لقد أنزل العباسيون بقيادة أبي جعفر المنصور، أفدح العقوبات بأبناء عمومتهم من العلويين، لم يمنعهم عن ذلك قرابة أو لحمة نسب، ولم يردعهم دين أو ورع، وانما هو الاستئثار الشامل بكل شيء، والأحكام العرفية الصارمة لأدنى مخالفة، ولم تكن جرائم المنصور نفسه بريئة من القسوة الضارية التي أنست جرائم الجاهلية في عنفها وشدتها، يضاف اليها الغدر بأقرب الناس، وأنصار النظام، وقادة الحركة العباسية أنفسهم، حتى قال الأستاذ السيد أمير علي الهندي: «كان المنصور خداعا لا يتردد البتة في سفك الدماء، وتعزى قسوته الى حقده البالغ حد الافراط… سادرا في بطشه، ومستهترا في فتكه، وتعتبر معاملته لأولاد علي (عليه السلام) صفحة من أسوأ صفحات التأريخ العباسي».
ولم يكن أمر قسوته بمعزل عن تسليط الضوء على برنامجه الدموي في استئصال شأفة المعارضين السياسيين من قبل التأريخ، بل صرّح بأكثر من مصدر ومورد بآثار ذلك النهج الارهابي المفجع في صوره المرعبة.
قال الطبري (ت 310 هـ): ان “المنصور أمر بأسطوانة مبنية ففرغت، ثم أدخل فيها محمد بن ابراهيم بن الحسن، فبني عليه وهو حي”، بل أنه عمد إلى جملة الأسرى من الحسنيين، فكبلهم بالقيود والأغلال حتى ماتوا في السجون، وقيل: انهم وجدوا مسمرين في الحيطان. قال السيوطي بأنه: «قتل خلقاً كثيرا حتى استقام ملكه».
وهو الذي أمر بضرب أبي حنيفة النعمان بن ثابت، ثم سجنه فمات بعد أيام، بل روي السيوطي: أنه قتل أبا حنيفة بالسم.
وهذه أمثلة شاردة على فظاظة أفعاله وسوء معاملته، مع شرائح من الناس والأبرياء منهم بخاصة، ولا أدل على ذلك من قتله الإمام الصادق (عليه السلام) فقضي مسموماً بأمره.



